في موازاة أشرس موجة من أعمال العنف تشهدها باكستان خلال الأسابيع الأخيرة، بدأت تتفاقم الأزمة الداخلية بين الجيش الباكستاني والشرطة في شمال غربي باكستان، التي تعرّف نفسها بلجان أمنية شعبية.
وبعد أن كانت لجان الأمن الشعبية المكونة من أفراد الشرطة وعناصرها تتهم الجيش الباكستاني بأنه يتباطأ في القضاء على المسلحين، وفي بعض الأحيان يتغاضى عنهم، الآن باتت تتهمه بالتطاول على عناصرها ورجالها، وتسليح عصابات إجرامية في المنطقة بوجه الشرطة والقبائل، ما أدى إلى صدامات مسلحة بين الطرفين سقط خلالها قتلى وجرحى.
وقال خالد خان، رئيس لجان الأمن الشعبية وهو ضابط في الشرطة الباكستانية، في حديث لوسائل إعلام محلية في الثاني من الشهر الحالي، إن" الجيش الباكستاني لديه كل الإمكانات والمعدات العسكرية والميزانية وبيده كل شيء، ولا يتقدّم إلى الخطوط الأمامية بل الشرطة هي التي تواجه زحف المسلحين، ولكن لا وزن لها ولا صوت، فالجيش يقرر كل ما يجري في مناطقنا، هذا الأمر غير قابل للتحمل".
وأوضح أن" الأمر لم يقف عند هذا الحد بل بدأ الجيش يتطاول علينا، واعتقل ضابطاً في الشرطة مع سبعة آخرين، علاوة على إثارة الخوف في صفوف القبائل وتحذيرها من التعاون مع الشرطة (اللجان الشعبية)، في حين أننا أبناء هذه المنطقة".
وهدد خان الجيش بالقول إنه إذا لجأ إلى استخدام السلاح ضد الشرطة، فلن يبقى أمامهم خيار سوى الركون إلى السلاح، والقبائل البشتونية تعرف جيدا كيف تستخدم السلاح، على حد قوله.
سردار خان شهاب خيلي: القبائل اعتقلت مرات عديدة عناصر خلايا إجرامية، لكن قوات الجيش أطلقت سراحهمخلاف الجيش الباكستاني والشرطةوذكر خان أن مسلحين مدججين بأسلحة متنوعة دهموا مركزاً للشرطة وهو في الأصل منزل لنائب مسؤول الشرطة في منطقة لكي مروت، الضابط عبد الصبور خان، ولأن من دهموا المركز كانوا في زي مدني لا عسكري، أطلقت قوات الشرطة عليهم النيران، ما أدى إلى سقوط جرحى من الطرفين.
وفي نتيجة تلك المواجهة هرب المسلحون، ثم جاءت قوات الجيش وقالت إن هؤلاء المسلحين في الأصل كانوا رجال الجيش، جاؤوا لاعتقال أشخاص داخل المركز، وبدأت باعتقال بعض من كان داخل المركز.
من جانبه، قال الزعيم القبلي سردار خان شهاب خيلي، لـ" العربي الجديد"، إن الضابط عبد الصبور خان كان في مقدمة من كانوا يواجهون المسلحين، وكان له مساع في تنظيم الشرطة وترتيبها من أجل الحفاظ على أمن المنطقة، لكن يبدو أن الجيش الباكستاني لم يكن يوافق على هذه المساعي ولم ترضه أنشطة القبائل والشرطة من أجل إحلال الأمن في المنطقة، بالتالي دهمت قواته منزل الرجل، ما يشير إلى أن للجيش أهدافاً مختلفة.
وأضاف أن القبائل اعتقلت مرات عديدة عناصر خلايا إجرامية، لكن قوات الجيش أطلقت سراحهم، ما يعني أن ما يحدث اليوم في منطقة القبائل من صنيع الجيش والمؤسسة العسكرية.
لم يكن الصراع بين رجال الشرطة المحليين (اللجان الشعبية) وبين الجيش الباكستاني في بعض مناطق شمال غربي باكستان، مثل مقاطعتي بنو ولكي مروت، وليد اليوم وأمراً عابراً، بل بدأ منذ أشهر، وهو صراع يتعمق ويتجدد بين الحين والآخر.
على مدى الأشهر الماضية نظم أفراد الشرطة عدة مرات اعتصامات وتظاهرات في بنو ولكي مروت، مطالبين بخروج الجيش الباكستاني من المناطق القبلية، بحجة أن الجيش هو سبب المشكلة وبسببه أصبحت منطقة القبائل غير آمنة، واعتقلت قوات الجيش قيادات الشرطة وعزلتهم، ولكن لاحقاً تم الإفراج عنهم، بعد أن هددت القبائل بالانضمام إليهم لأن الشرطة من أبناء القبائل.
وفي 25 مايو/أيار الماضي، أعلنت الشرطة، أولاً في لكي مروت ثم في مقاطعة بنو، نفسها كياناً مستقلاً، لا يحتاج لأخذ الأوامر والتوصيات من أي جهة، وانضم إليها المئات من العناصر والضباط.
وهكذا بدأ حراك الشرطة في الكثير من المناطق الأخرى من أجل الحفاظ على أمن المنطقة، وهو ما أغضب الحكومة والجيش الباكستاني.
بالتالي أعلنت الحكومة أن كيان الشرطة المستقل غير شرعي، وسارعت الداخلية الباكستانية إلى تغيير قيادة الشرطة في المنطقة، ولكن تلك الخطوة لم تبدل شيئاً.
كما بدأت حملة إعلامية ضد الشرطة أو ما يعرف حاليا باللجان الشعبية، فوصفت قنوات رسمية تلك اللجان بأنها خارجة عن القانون وأنها تمارس الظلم والضيم على سكان المنطقة.
وقال الضابط شاه ولي خان، العضو في اللجان الشعبية، لـ" العربي الجديد"، إن" وسائل الإعلام في يد الجيش والمؤسسة العسكرية، بالتالي هي تروّج لما تريده المؤسسة العسكرية، وتريد أن تكون منطقة القبائل ميدان صراع، ولكن الشرطة لأن عناصرها من أبناء هذه القبائل، هي عقبة في وجه مشاريع الجيش"، متهماً الجيش" بقتل أبناء القبائل العزّل بالمسيّرات، وإطلاق الصواريخ التي تسقط على رؤوس ساكني هذه المناطق، كما تدهم قوات الجيش منازل القبليين ليل نهار".
من جهته، قال الإعلامي الباكستاني حق نواز خان، وهو من أبناء القبائل، لـ" العربي الجديد"، إن الصراع بين الجيش والشرطة تصاعد في الأشهر الأخيرة" والسبب الرئيسي هو أن عناصر الشرطة من أبناء المنطقة يتألمون لما يحصل، وعناصرها يسقطون بشكل يومي بين قتيل وجريح".
وأضاف أن" المشكلة تكمن في أن الشرطة تريد أداء واجبها لكن ليس بيدها إمكانات ومعدات، في المقابل الجيش بيده كل شيء، ولكنه لا يساعد بما تقوم به الشرطة، من هنا أعلنت الأخيرة نفسها كياناً مستقلاً لن تأخذ الأوامر من أي جهة، لا من الحكومة ولا من الجيش، بل تقوم بوضع خطتها بنفسها، وفق ما يتطلبه الوضع".
ولفت إلى أن" الخلاف متجذر ويتعمّق، والمستفيد هم المسلحون، لأن الشرطة عندما تقاتل مع المسلحين فإن الجيش لا يتحرك وكذلك العكس، ولا بد من حل هذه الخلافات والعمل معا صفا واحدا ضد من يعبث بأمن المنطقة".
حق نواز خان: الشرطة عندما تقاتل مع المسلحين فإن الجيش لا يتحرك وكذلك العكسمن جانبه، قال الإعلامي من منطقة القبائل جوهر مسعود، لـ" العربي الجديد"، إن المشكلة الأساسية أن قوات الجيش تبقى داخل مقارها المحصنة، ومعها كل المعدات والوسائل، لكن في المقابل يواجه رجال الشرطة المسلحين وليست لديهم المعدات والأسلحة المتطورة، بالتالي يسقط منهم قتلى وجرحى، كما أن أهاليهم في المنطقة نفسها وهم ضحايا الحرب، يريدون إحلال الأمن في المنطقة مهما كان الثمن، بينما الجيش له حسابات أخرى.
ولفت إلى أن اللجان الشعبية بدأت تتشكل في كل مناطق شمال غربي باكستان، والشرطة بدأت تتحرك، موضحاً أنه في موازاة إعلان الشرطة في لكي مروت وبنو عن كيان مستقل، رفض عناصر الشرطة القتال ضد المسلحين في مقاطعة باجور، بحجة أن الجيش لديه كل شيء وهو لا يقاتل، مطالبين الحكومة بتقديم كل الإمكانات لهم من أجل القتال.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك