بين صرخات الألم والتشبث بقيم العدل والأمانة، يسقط شهداء الصحافة الحرة في غزة وبيروت يوماً بعد يوم، في زمنٍ تُرفع فيه شعارات «حرية الصحافة» كأحد أعمدة الديمقراطية الغربية، تتهاوى هذه الشعارات أمام مشاهد الدم التي تسيل من أقلام الصحفيين في ميادين الحقيقة.
لم يعد الصحفي مجرد ناقل للخبر، بل أصبح هدفاً مباشراً في معادلة الحرب، يُلاحَق، يُستهدَف، ويُغتال، لأن صوته يفضح ما يُراد له أن يُخفى.
من بيروت إلى غزة، تتكرّر المأساة بالسيناريو القاسي ذاته، في العاصمة اللبنانية، سقط محمد وشاح وفاطمة فتونى، لا لشيء إلا لأنهما حملا الكاميرا بدل السلاح، واختارا أن يكونا شاهدين على الحقيقة لا شاهدي زور، وقد سقطت أسماء كثيرة خلال الأشهر الأخيرة: علي شعب، حسين حمود، محمد شرى، وسوزان خليل، وغيرهم ممن استُهدفوا أثناء التغطية أو حتى داخل منازلهم.
وفي سنوات سابقة، اغتيل المصور في وكالة «رويترز» عصام عبدالله أثناء وقوفه مع فريق صحفي واضح الهوية يحمل شارة «PRESS».
وقبلهم، في الأراضي الفلسطينية، دفع صالح ورفاقه ثمن الكلمة الحرة، حين قرروا أن ينقلوا للعالم ما يحدث خلف جدران الصمت الدولي.
والقائمة أطول وأكثر مأساوية في غزة، أسماء مثل أنس الشريف، الذي قُتل بعد أن نقل للعالم مشاهد المجاعة، ومريم داغة، الصحفية والأم التي استُشهدت داخل مستشفى، وحمزة الدحدوح، الذي دفع حياته ثمناً لصورة.
هؤلاء وغيرهم بالمئات لم يكونوا في جبهات قتال، بل في جبهات نقل الحقيقة، كل هؤلاء يدفع ذووهم ثمن مبادئهم بالفقد والحسرة مدى الحياة! هؤلاء لم يكونوا مجرد أسماء تُضاف إلى قوائم الضحايا، بل كانوا رواة حكايات الناس، حماة الذاكرة، وأصوات من لا صوت لهم.
كانوا يدخلون مناطق الخطر، لا بحثاً عن بطولة زائفة، بل بدافع مهني وإنساني عميق، إيماناً بأن الصورة قد تُحدث ما لا تُحدثه آلاف البيانات الرسمية.
إذن أين العالم من كل هذا؟ أين الاتحاد الدولي للصحفيين (IFJ) من هذا النزيف المستمر؟ أين بيانات الإدانة التي تتحول إلى أفعال؟ وأين المنظمات التي طالما تغنّت بحماية الصحفيين وحقوقهم؟ هل أصبحت حياة الصحفي في منطقتنا أقل قيمة؟ أم أن العدسة حين تُسلَّط على جرائم الاحتلال، تتحول إلى تهديد يجب إسكاته؟الاتحاد الدولي للصحفيين، وهو أكبر منظمة تمثل الصحفيين عالمياً، ويضم نقابات أكثر من 140 دولة، هذه المؤسسة مسؤولة عن: رصد الانتهاكات ضد الصحفيين وإصدار تقارير سنوية عن القتل والإفلات من العقاب والضغط على الحكومات والمؤسسات الدولية لضمان الحماية، لكن رغم بيانات الإدانة والتقارير المتكرّرة، تبقى المشكلة الأساسية هي «الإفلات من العقاب».
فالتقارير نفسها تؤكد أن قتل الصحفيين أصبح «أداة مقبولة في الحروب والسيطرة على المعلومات»، الأرقام نفسها أصبحت صادمة وثّقت لجنة حماية الصحفيين مقتل ما لا يقل عن 223 صحفياً وعاملاً إعلامياً في غزة ولبنان وإسرائيل منذ بداية الحرب على يد القوات الإسرائيلية.
وأعلنت نقابة الصحفيين الفلسطينيين أن عدد الضحايا وصل إلى 256 صحفياً منذ بدء العدوان، كما أكدت تقارير دولية أن عام 2025 كان من أكثر الأعوام دموية، حيث قُتل 128 صحفياً عالمياً، بينهم 56 فلسطينياً فقط في غزة، هذه الأرقام لا تعني فقط ارتفاع عدد الضحايا، بل تعني أن الصحافة نفسها أصبحت هدفاً عسكرياً.
منظمات أخرى مثل: مراسلون بلا حدود وحملة شعار الصحافة تؤكد أن الشرق الأوسط أصبح أخطر مكان في العالم على الصحفيين، وأن ما يحدث ليس مجرد «أضرار جانبية»، بل استهداف مباشر ومتكرر ومتعمد لطمس الحقائق.
المفارقة المؤلمة أن هذا يحدث في ظل صمت دولي، وتناقض صارخ في الخطاب الغربي، الذي يتحدث عن حرية الصحافة حين تخدم مصالحه، ويصمت حين تُقتل أمام الكاميرات في الشرق الأوسط، الأكثر إيلاماً هو التناقض الصارخ في الخطاب، الدول نفسها التي تتحدث عن حرية التعبير وحق الوصول إلى المعلومات، تقف عاجزة -أو صامتة- أمام استهداف الصحفيين بشكل ممنهج، بل إن هذا الصمت يُقرأ أحياناً كضوء أخضر للاستمرار، وكأن قتل الحقيقة لم يعد جريمة، بل جزءاً من «تكتيك الحرب».
إن اغتيال الصحفيين ليس فقط جريمة حرب.
بل جريمة ضد الوعي الإنساني.
لأن قتل الصحفي لا يُسكت صوتاً فردياً فقط، بل تُقتل معه الرواية، ويُترك المجال مفتوحاً أمام التضليل والتزييف ويُطفئ نافذة يرى منها العالم الحقيقة.
ومع ذلك، تستمر الحكاية، يُقتل الصحفي.
وتبقى قصته.
تُقصف الكاميرا.
وتبقى الصورة، ولكن كم صحفياً يجب أن يُقتل.
حتى يتحرك العالم؟ ومع ذلك، ورغم كل هذا القمع، تستمر الكاميرات في العمل، وتستمر الأقلام في الكتابة، لأن الحقيقة، مهما حوصرت، تجد دائماً من يحملها.
ولأن هؤلاء الصحفيين الذين سقطوا شهداء الكلمة، لم يموتوا عبثاً، بل تركوا وراءهم إرثاً من الشجاعة يُلهم كل من يؤمن بأن للحق صوتاً لا يمكن إسكاته ويدعو كل مواطن لديه ضمير للنشر على أوسع نطاق للدفاع عن قيم العدالة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك