في حوار خاص لنبض الإمارات مع وزير العمل الأسبق ورئيس مجلس إدارة جريدة “البلاد” بمملكة البحرين يتحدث عن التعايش، وتجربته في العمل العام، ومستقبل الإعلام في زمن التحولات الكبرى.
يظل صوت الحكمة نادراً… وصوت التجربة أندر.
الأستاذ عبد النبي الشعلة ليس مجرد مسؤول سابق أو كاتب رأي، بل عقلٌ تشكّل عبر العمل الميداني، والاحتكاك المباشر بالناس، وتجربة طويلة في الإدارة والفكر والإعلام.
من وزارة العمل إلى رئاسة مجلس إدارة جريدة البلاد، ومن الاقتصاد إلى الكتابة عن التعايش الإنساني، تنقّل الشعلة بين مواقع المسؤولية بذات البوصلة: الإنسان أولاً.
في هذا الحوار، يفتح ذاكرته وتجربته، ويتحدث بصراحة عن فلسفة الحوار، وعن التحولات الكبرى في الصحافة، ولماذا يرى أن الإبداع لم يعد ترفاً بل شرطاً للبقاء.
بعد مسيرة طويلة في العمل العام والاقتصادي والإعلامي بمملكة البحرين… كيف تصف رحلتك باختصار؟لم تكن رحلتي مخططة بقدر ما كانت استجابة للواقع.
بدأت من بيئة بسيطة، وعملت مبكراً، وواجهت تحديات حقيقية شكّلت وعيي قبل شهاداتي.
تعلمت أن الفرص لا تأتي جاهزة، بل تُصنع.
كل محطة في حياتي — من القطاع الخاص إلى العمل الحكومي، ومن الاقتصاد إلى الصحافة — أضافت لي زاوية نظر مختلفة، لكن الإنسان ظل دائماً هو المركز.
توليتم وزارة العمل في مرحلة مفصلية… ما القضية التي تعتبرونها الأهم في تجربتكم الوزارية؟سوق العمل ليس أرقاماً، بل كرامة إنسانية.
الوظيفة ليست مجرد راتب، بل استقرار نفسي واجتماعي، وحماية من التهميش واليأس.
ركزنا على التدريب وربط التعليم باحتياجات السوق، لأن بناء الإنسان هو الاستثمار الحقيقي لأي وطن.
“الوظيفة ليست راتباً فقط… بل كرامة واستقرار وحصانة للمجتمع“كيف انتقلتم من الاقتصاد والعمل العام إلى الكتابة الفكرية والإنسانية؟لم يكن انتقالاً بقدر ما كان امتداداً.
كل تجربة عشتها تحولت لاحقاً إلى فكرة أو سؤال أو كتاب.
عندما أكتب عن التعايش أو عن شخصيات مثل غاندي، فأنا لا أكتب تنظيراً، بل أبحث عن إجابات لأسئلة واجهتها في الواقع.
كتابكم عن غاندي أثار اهتماماً واسعاً… لماذا غاندي تحديداً؟لأننا في عالم عربي مثقل بالصراعات نحتاج أن نفهم فلسفة الانتصار الأخلاقي.
غاندي انتصر بلا سلاح.
طرحه يقوم على كسر دائرة العنف عبر رفع كلفة الظلم أخلاقياً، لا بمضاعفة العنف.
نحن لا نفتقد الشجاعة، بل نفتقد أحياناً الرؤية المختلفة.
“نحن لا نحتاج شجاعة القتال فقط… نحتاج شجاعة التفكير المختلف“تدعون دائماً إلى الحوار حتى مع المختلفين جذرياً… أليس ذلك طرحاً صعب القبول؟الحوار ليس مكافأة للآخر، بل حماية للذات.
استمرار الصراع دون أفق حل لا يخدم أحداً.
التاريخ يثبت أن الحروب تنتهي دائماً إلى طاولة مفاوضات، فلماذا لا نبدأ من حيث سننتهي؟“الحوار ليس مكافأة للآخر… بل حماية لأنفسنا من استمرار النزيف“في أعمالكم الأدبية التي تستحضر فضاءات تاريخية مثل قرطبة… ما الرسالة وراء اختيار هذا المكان؟قرطبة كانت نموذجاً حضارياً فريداً للتعايش.
أردت أن أقول إن الصراع ليس قدراً أبدياً، وأن التاريخ يقدم شواهد على إمكانية العيش المشترك.
المكان في الرواية شاهد صامت على ما يمكن أن يكون، لا فقط على ما كان.
“التعايش ليس تنازلاً عن الهوية… بل ارتقاء بها”أنتم اليوم على رأس مؤسسة صحفية… كيف ترون مستقبل الصحافة في عصر الذكاء الاصطناعي؟التكنولوجيا لن تلغي الصحافة، لكنها ستلغي الصحافة غير المبدعة.
الذكاء الاصطناعي أداة مساعدة، لكنه لا يملك الضمير ولا الحس الإنساني.
الصحفي الحقيقي هو من يفهم السياق، ويقرأ ما بين السطور، ويضع الإنسان في قلب الخبر.
“الذكاء الاصطناعي قد يساعد الصحفي… لكنه لا يستطيع أن يكون إنساناً مكانه”“الصحافة لن تختفي… لكنها لن ترحم غير المبدعين”ما الفارق بين الإبداع في الصحافة والإبداع في الأدب؟في الأدب مساحة للخيال، أما في الصحافة فالمساحة للمسؤولية.
الإبداع الصحفي هو تقديم الحقيقة بعمق وجاذبية دون التفريط في الدقة.
هو معادلة صعبة بين الجمال والصدق.
من خلال تجربتكم… ما أكبر وهم يمكن أن يعطل الإنسان عن التقدم؟وهم العجز.
كثير من العقبات نصنعها في عقولنا قبل أن توجد في الواقع.
الإيمان بالنفس والعمل الجاد يفتحان أبواباً لم نكن نراها.
“أخطر ما يقيّد الإنسان ليس الواقع… بل الفكرة التي يزرعها داخله بأنه عاجز”ما الرسالة التي تودون توجيهها للجيل الجديد من الصحفيين والمثقفين؟لا تكونوا أسرى الشعارات، ولا أسرى الخوف.
اقرأوا العالم جيداً، احترموا الاختلاف، وابقوا دائماً في صف الإنسان.
المستقبل لا يصنعه الغاضبون فقط، بل الحكماء أيضاً.
“الصحفي الحقيقي لا ينقل الخبر فقط… بل يفهم الإنسان الذي يقف خلفه”عبدالنبي الشعلة نموذج لرجل دولة ومفكر يرى أن الإنسان هو جوهر كل قضية، وأن الحوار ليس ضعفاً، بل شجاعة من نوع مختلف.
في عالم يتجه نحو الانقسام، يذكّرنا بأن التعايش خيار الأقوياء، وأن الإبداع هو الطريق الوحيد لبقاء الصحافة حيّة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك