وكالة شينخوا الصينية - إسرائيل تعلن اغتيال أربعة مسؤولين كبار في جهاز أمن حماس في غزة العربية نت - بعثة الأمم المتحدة في ليبيا: لا صحة لمزاعم توطين المهاجرين قناة التليفزيون العربي - تمسك أميركي بتسليم إيران لمخزونها من اليورانيوم المخصب شرطًا لأي اتفاق محتمل قناة القاهرة الإخبارية - موجز أخبار الثانية صباحا من القاهرة الإخبارية تكتيكات كرة القدم - This is the mysterious star that Perez wants for 150 million... and how did Perez deliver the kno... وكالة شينخوا الصينية - الإحصاء الفلسطيني: 33.2 مليون طن من الانبعاثات الكربونية نتيجة الحرب على غزة في كارثة بيئية القدس العربي - استشهاد شاب فلسطيني برصاص الاحتلال الإسرائيلي شرق رام الله وكالة شينخوا الصينية - سرايا السلام تبدأ أول خطوة عملية للاندماج في القوات العراقية عبر تسليم مقرها بسامراء قناة العالم الإيرانية - رضائي: ستتلقى أمريكا صفعة قوية اذا لم تتصرف بعقلانية وكالة شينخوا الصينية - الصين تؤكد فرض حظر الدخول إلى أراضيها على مشرعين نيوزيلنديين
عامة

فنّ الرتق بين الكلمات

القدس العربي
القدس العربي منذ 1 شهر
2

مقال هذا الأسبوع منطلقه خبرٌ وردَ في كتاب النحوي الكوفي أبي العباس ثعلب(200- 291 هـ / 816- 904 م) وعنوانه مجالس ثعلب وهو كتاب من الأمَالي وهي أحاديث أملاها هذا النحوي على تلاميذه وهم من جمع مادّته. ...

ملخص مرصد
استعان رسول يزيد بن المهلب ببدوي خبير لوصف المطر للخليفة سليمان بن عبد الملك، مستخدماً عبارات فصيحة تتناسب مع مستوى الخطاب الرسمي. وأثنى الخليفة على الأسلوب البلاغي الراقي، مشيراً إلى أن الرسول لم يكن أول من استخدم تلك العبارات. وتبرز القصة أهمية مراعاة المستويات اللغوية في التواصل الاجتماعي والسياسي.
  • استعان رسول يزيد بن المهلب ببدوي لوصف المطر للخليفة سليمان بن عبد الملك
  • أثنى الخليفة على الأسلوب البلاغي الراقي للرسول، مشيراً إلى أصالته
  • تظهر القصة أهمية مراعاة المستويات اللغوية في التواصل الرسمي
من: سليمان بن عبد الملك، يزيد بن المهلب، رسول (مولى)، بدوي، ثعلب

مقال هذا الأسبوع منطلقه خبرٌ وردَ في كتاب النحوي الكوفي أبي العباس ثعلب(200- 291 هـ / 816- 904 م) وعنوانه مجالس ثعلب وهو كتاب من الأمَالي وهي أحاديث أملاها هذا النحوي على تلاميذه وهم من جمع مادّته.

يقول الخبر: «بعث يزيد بن المهلّب سريعا مولى عمرو بن حريث إلى سليمان بن عبد الملك فقال سريع: فعلمت أنّه سيسألني عن المطر، ولم أكن أرْتُقُ بين كلمتين، فدعوت أَعْرابيّا فأعطيته درهما وقلت له: كيف تقول إذا سُئلت عن المطر؟ فكتبت ما قال ثم جعلته بيني وبين القَرَبُوسِ حتى حفظته فلمّا قدِمت قرأ كتابي ثمّ قال: كيف المطر؟ فقلت: يا أمير المؤمنين عقد الثرى واستأصل العرق ولم أرَ واديا دارئا.

فقال سليمان: هذا كلام لستَ بأبي عُذْرهِ فقلت: بَلَى فقال: اُصْدُقني فَصدقته فضحك حتى فَحَصَ برجليه ثمّ قال: لقيته والله ابنَ بَجْدَتِها أي عالما بها.

[مجالس ثعلب، 283].

المعطيات التاريخية التي ينبغي أن يعرفها القارئ في هذا الخبر، أنّ يزيد بن المهلب كان واليا على العراق وخراسان في خلافة سليمان بن عبد الملك (آخر القرن الأوّل للهجرة/بداية القرن الثامن للميلاد) وكان الخليفة الأمويّ السابع.

أمّا عمرو بن حريث فكان من أغنياء الكوفة، وكان بنو أمية يثقون به، غير أنّ الأخبار تقول إنّه توفّي في زمن الخليفة الخامس عبد الملك بن مروان.

لكنّ هذه المعطيات غير مهمّة في مثل هذه الأخبار التي تلغي كل الدقّة التاريخية وتركّز على القيمة اللغوية والإبداعية.

ما يعنينا من هذا الخبر هو العبارات الدالة على القدرة الإبداعية والتكلم بقول حسن بديع وقيمة ذلك عند الساسة الراعين لهذا اللسان.

هذا الكلام يندرج اليوم في اللسانيات ضمن ما يعرف بمستويات اللغة Registers، وهي تنويعات في الأساليب وطرق التعبير يضطر إليها المتكلم تحت ضغط اجتماعي بأن ينوّع طريقة تخاطبه مع غيره، بمراعاة نوعية العلاقات التي تجمعه؛ وتتحدّد تلك العلاقات بجملة من النواميس الاجتماعية.

فسريع مولى يزيد بن المهلب كان يعلم مسبقا أنّ عبد الملك بن مروان سيسأله عن المطر وهذا سؤال قديم حاضر في حياتنا اليوم، فنحن وفي محيطنا الفلاحي في تونس نسأل القادم من بعيد، عن الأرض والمطر والزرع ونريد أخبارا تقول لنا إنّ الأرض سقيت وأنّ الجفاف بعيد عنها.

الحديث بيننا شيء ولكن الحديث بين خليفة ومبعوث إليه شيء آخر.

يقدّر الرسول، الذي نقدّر أنّ موضوع المطر لا يمثل أصل الرسالة، أنّ وصف المطر للخليفة لن يكون مستساغا، إلاّ إذا استشار بدويا خبيرا بالوصف باختيار العبارات الدقيقة التي تسمّي التفاصيل، وبحسن ترصيفها، وبما تداول منها بين البدو.

فهو سيبحث عن خبير في القول لا يتناسب مع كلام البلاط كما يمكن أن يفهم بل يستجيب لما يطلبه الخليفة من قول فصيح لا يقوله إلاّ أهل البادية، وبات بعيدا من أفواه أهل المدن.

العبارة التي استعملها لبيان عجزه عن أن يأتي بلغة بدوية يطلبها الخلفية هي: «لم أكن أرتق بين كلمتين».

فاستعمل استعارة مألوفة في هذا السياق هي استعارة [الكلام نسيج] ويبدو أنها ليست من بنات أفكار الرسول بل قالها اللغوي (ثعلب أو غيره) على لسانه.

فمن يستعمل عبارة على هذا المستوى البلاغي المرموق ينبغي أن يكون ممّن يقدر على الرتق بين الكلمات وليس العكس.

الرتق بين كلمتين يعني القدرة على الجمع بينهما في نظم مناسب.

في تونس لدينا عبارة عامّية غير أنّها ليست استعارية تقول، إنّ فلانا يعجز أن يركّب كلمتين معا.

إذا ارتفعنا في المستوى درجة قلنا إنّه لا يستطيع أن يرتق بين كلمتين.

وفي العامية التونسية نقول عن الشخص الذي يحسن الكلام إنّه «يطرز» بناء على أنّ الطرازة ليست خياطة، أو رتقا لفتق موجود، بل هي وضعية إبداعية بينما الخياطة وضعية أساسية أو أصلية، ففيها ترتق الفتوق.

العبارات في العامية التونسية أو في استعمال ثعلب متنوّعة، تتيح للأساليب أن تتعدّد وللمستويات اللغوية أن تتنوّع.

وتختلف المستويات اللغوية باختلاف شكل التواصل، سواء أكان شفويا أم مكتوبا.

وفي الخبر الذي أوردناه يجد سريع، رسول بن المهلَّب، نفسه في مستوى لغويّ قدّر أنّه مختلف عن المستوى الذي يناسب مخاطبة الخلفاء، ونحن لا نتحدّث هنا بالطبع عن الآداب التي على رسول أن يتحلى بها وهو يخاطب خليفة، بل نتحدّث عن تقدير سريع بأنّ الكلام ينبغي أن يجمع بين مناسِبين: الموضوع الذي هو أقرب إلى الوصف المعدّل والمحكّك وما ينتظره الخليفة من استعمال مستوى يليق بسلطانه وبالعربية «الأرقى» التي هي في رعايته.

لكنّ سريعا وفي تقديره لكفاءته اللغوية، يرى نفسه منتميا لمستوى لغوي بسيط أقل من مستوى القدرة على الرتق بين الكلم.

هو في مرحلة من النسج أدنى من أن يحسن الخياطة، فما بالك بالقدرة على التطريز.

مستوى سريع هو مستوى أقل من المستوى المطلوب في مخاطبة الخليفة من جهة المعرفة بالموصوفات وببنائها في الوصف، ولذلك اتجه إلى البدوي وابتاع من عنده بضاعة لغوية.

نحن إزاء تقسيم ثقافي لا نظير له في ثقافتنا العادية؛ فالأعرابيّ هنا هو عنوان الانتماء إلى مستوى لغوي فصيح، حصّله بالسليقة بحكم أنّ الفصاحة ما تزال منتشرة بين البدو وأنّ المدنيّة بدأت تقتل بدوية اللغة، التي جعلت هذا الرسول لا يستطيع الرتق بين كلمتين، بينما يستطيع الأعرابي أن يطرز الكلام طرزا.

الأعرابي استعمل في الخبر استعمالا استشاريا، أو لنقل استعمال الخبير باللغة الذي يبيع خبرته ويجعلها تجارة مربحة بقطع النظر عن قيمتها الماليّة.

النصّ الذي باعه الأعرابي للمدني رسول المهلّب، شفوي نقله بالخط وبات مكتوبا هذا شكل من أشكال التدوين التي يعتمدها في المخيال البياني العربي الرواة: يخرجون إلى البوادي ويتلقفون الفصاحة من أفواه الأعراب (والظاهر أنّها كانت من دون مقابل مالي) ويدوّنونها وربّما حفظوها في القرابيس (أي في الجزء المنحني المقوّس من سرج الفرس).

يطول السفر إلى الخليفة طولا مكّن سريعا من أن يحفظ ما دوّنه في أوراقه.

ربّما كان الرواة يحفظون ثمّ يدوّنون بعد ذلك ما حفظوه، المهمّ أنّ الكتابة هي الحافظ الأبقى لهذه الفصاحة، التي لا يقدّر قيمتها حرس اللغة القدامى، أو إلاّ صاحب حاجة عارضة مثل سريع.

النص الذي ألقاه أمام الخليفة فيه عقد بين كلمة وكلمة هي (عقد الثرى) التي تعني أنّ التراب تماسك واشتد لكثرة المطر و(استأصل العرق).

كأنما حفر الماء على العرق حتى بان أصله، لكن العبارة الثالثة وهي الأطول ( ولم أر واديا درائا) تعني أنّه لم يرَ واديا يصبّ في واد آخر فكل ماء يجري في نهره أي أنّ الماء لم يأت من بعيد، بل هو ابن أرضه.

المستوى البلاغي الراقي، أو الرسمي الذي خاطب به الرسول الخليفة قوّته ليست في استعارية المعنى بل في التلويح إلى المعنى البعيد وتوخّي الكناية في الأسلوب.

فالرجل اختار المشهدية البعديّة التي هي نتيجة لسبب واحد: هو قوّة الغيث وكثرة الإبلال.

خبرة البدوي ليست لغوية وحسب، بل فيها معرفة علاميّة أي تتقصى العلامات لتعرف قيمة الغيث والإنبات: لقد اشترى المدنيّ من البدويّ خبرته ولم يشتر لغته.

وهذا ما جعله مكشوفا واضحا من غير حجاب عند الخليفة.

كانت لغة الخليفة راقية أيضا فبدلا من أن يقول له هذا ليس كلامك استعمل عبارة جاهزة ضاربة في الإلغاز لمن ليس له بها عهد فقال ( هذا كلام لستَ بأبي عُذْره).

يقول العرب هو أبو عذر هذا الكلام أي أوّل من قاله.

وهذا يعني أنّ للكلام أوّل وتكرّر ولم يكن سريع أوّل من نظم ذلك الكلام.

وحين اكتشف الخليفة ذلك بقول غريب آخر: (لقيتَه والله ابن بجدتها ) أي لقيت من كان عالما بالأمر مميزا له وهو لا يعني المعرفة بفنّ القول وبرتق الكلم وتطريزها وإنّما هو عارف بتشخيص قوّة المطر من خلال ملاحظة آثارها في الطبيعة.

لقد بدا الخليفة عارفا مميزا بين المستويات اللغوية وخبيرا بلغة البداوة والحضر وهذا شيء تقتضيه ولايته على من كانت لغتهم العربية.

أمّا ثعلب، صاحب المجلس فكان فنانا سينوغرافيا يتقن باللغة تصميم فضاء النصّ المسرحي من جهة السمع (الرواية ) والبصر (الكتابة والمقابلة وجها لوجه) ونفذ العناصر المشهدية بأن وزّع الأدوار بين فواعل لغوية تختلف من جهة دورها في بناء عربيّة مستوياتها اللغوية متعدّدة.

أستاذ اللسانيّات في الجامعة التونسية.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك