بين مؤيد ومعارض، يتشكل الجدل العربي حول إيران كلما ظهر مسؤول إيراني في منبر إعلامي عربي.
وقد أظهر الدكتور أحمديان في لقائه على قناة الجزيرة قدرة واضحة على المناظرة، غير أن المشكلة لم تكن في مهارته التحاورية، ولا في الكم المعرفي الذي يمتلكه، بل في طبيعة النقاش نفسه.
لقد انحصر الجدل في أسئلة سجالية آنية، من قبيل مبررات ضرب إيران لدول الخليج، بينما غاب السؤال الأعمق: ما الدوافع الحقيقية التي تحكم السلوك الإيراني في الإقليم؟ أنحن فعلا أمام صراع حضارات، أم أمام صراع نفوذ تستخدم فيه الحضارة والدين كأدوات تعبئة وتعبير عن صراع مصالح أعمق؟من وجهة نظر نتنياهو وبعض أعضاء حكومته، يجري تصوير المواجهة باعتبارها صراعا مع الإسلام، سنيا كان أم شيعيا، وقد أعلن صراحة بأنه بعد الانتهاء من" المحور الشيعي" الذي تقوده إيران، سيتفرغ للمحور السني في المنطقة، في محاولة لرسم خريطة تهديد دائمة، تبرر تحالفات إسرائيل الإقليمية وتسويق نفسها شريكا لا غنى عنه للغرب.
لا يختلف توظيف طهران لخطاب الثورة والمظلومية، وهي تدعم أنظمة قمعية أو فاعلين مسلحين يكرسون هشاشة الدول، عن توظيف واشنطن ولندن وباريس لشعارات الحرية والديمقراطيةوفي الولايات المتحدة، يظهر خطاب صدام الأديان والحضارات في أوساط اليمين، ويُستخدم لتعبئة الرأي العام وتبرير استمرار الحروب وتكاليفها، تحت شعارات الدفاع عن الديمقراطية وحقوق الإنسان، فيما تكشف الوقائع عن سجل طويل في دعم أنظمة استبدادية متى اقتضت ذلك حسابات الأمن والطاقة والهيمنة الجيوسياسية.
في المقابل، تقدم إيران نفسها بوصفها رأس الحربة الذي يمثل الحضارة الإسلامية في مواجهة إسرائيل وأمريكا، وتنجح في كسب شريحة معتبرة من الشارع العربي عبر هذا الطرح، ليس لأنها بالضرورة تجسد هذا الدور كما يقدَم، بل لأنها ملأت فراغا سياسيا ومعنويا طالما شعرت به الشعوب العربية، في ظل غياب مشروع إسلامي عربي جامع.
غير أن اختزال المشهد في إطار صراع الحضارات أو صراع الأديان يخفي سؤالا أكثر جوهرية: ماذا لو لم تكن هناك قضية فلسطينية؟ كيف كان الشارع العربي سينظر إلى إيران؟قبل السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، كانت صورة إيران مهتزة في قطاعات واسعة من الرأي العام العربي، خصوصا بسبب دعمها الحوثيين في اليمن، ومساندتها نظام الأسد في سوريا، ومشاركة مليشيات مرتبطة بها في الصراع السوري، إضافة إلى حضور الحرس الثوري في مناطق متعددة، وما ارتبط بذلك من اتهامات بتغيير ديموغرافي وإذكاء حساسيات طائفية.
في تلك المرحلة، لم تكن سياساتها تُقرأ بوصفها مشروعا إسلاميا جامعا، بل باعتبارها سعيا لتعظيم النفوذ الإقليمي وفق حسابات المصلحة، على نحو لا يختلف في جوهره عن منطق قوى دولية وإقليمية أخرى، تتدخل في النزاعات العربية تحت عناوين تختلف في الخطاب وتتشابه في الممارسة.
وإذا عدنا أبعد إلى ما قبل الثورة الإيرانية، نجد أن نظام الشاه، رغم تحالفه الوثيق مع الولايات المتحدة وإسرائيل، لم يكن بعيدا عن منطق تعظيم القوة الإقليمية، وبناء دور وظيفي في المنظومة الأمنية الغربية.
ما تغير بعد عام 1979 لم يكن جوهر السعي إلى النفوذ، بل الإطار الأيديولوجي الذي يبرر هذا السعي؛ فقد انتقلت الدولة من خطاب" حليف الغرب وشرطي الخليج" إلى خطاب" الثورة الإسلامية" و" نصرة المظلومين"، بينما ظل منطق الدولة محكوما باعتبارات البقاء، وتوسيع هامش الحركة الإقليمية.
لا يمكن فهم مواقف الشارع العربي من إيران عبر الشعارات وحدها، بل عبر إدراك التداخل المستمر بين الأيديولوجيا والمصلحة، وبين ما تعد به الخطابات وما تنتجه السياسات على الأرضوهنا يصبح من الضروري التفريق بين منطق الدولة الذي تحكمه اعتبارات المصلحة والقوة، وبين الخطاب الأيديولوجي الذي يمنح هذا المنطق غطاء أخلاقيا وتعبويا، سواء كان هذا الخطاب دينيا ثوريا، كما في الحالة الإيرانية، أو ليبراليا ديمقراطيا كما في الحالة الأمريكية والغربية.
ففي الولايات المتحدة، والغرب عموما، يروجون منذ عقود لخطاب الديمقراطية وحقوق الإنسان، لكن سياساتهم الخارجية، في الشرق الأوسط وأقاليم أخرى، اتسمت بدعم أنظمة استبدادية وتحالفات مع قادة عسكريين، ما دامت مصالحهم الإستراتيجية مضمونة.
من إيران الشاه سابقا إلى أنظمة في أمريكا اللاتينية وآسيا والشرق الأوسط، تكررت معادلة" هو دكتاتور، لكنه حليفنا" بوصفها قاعدة سلوك، لا استثناء عارضا، كما توثق دراسات كثيرة حول علاقة واشنطن بالأنظمة السلطوية.
بهذا المعنى، لا يختلف توظيف طهران لخطاب الثورة والمظلومية، وهي تدعم أنظمة قمعية أو فاعلين مسلحين يكرسون هشاشة الدول، عن توظيف واشنطن ولندن وباريس لشعارات الحرية والديمقراطية، وهي تساند في الوقت نفسه حكومات تنتهك هذه القيم على الأرض؛ الفارق في اللغة، لا في جوهر الواقعية السياسية.
الأمر ذاته ينسحب على إسرائيل، التي طورت عقيدة أمنية واقعية تقوم على تعظيم التفوق العسكري، وبناء شبكات ردع وتحالفات مع قوى إقليمية مختلفة.
من خلال هذه العقيدة، تسعى إسرائيل إلى إدارة الصراع لا حله، وإلى التوسع والهيمنة والنفوذ، وإلى تحويل موقعها كقوة" مفيدة" للغرب في مواجهة خصوم مشتركين، سواء كانوا أنظمة قومية في الماضي أو قوى إسلامية أو إيران اليوم، ما يجعلها هي الأخرى مشروع قوة واقعية، يستند إلى خطاب ديني وتاريخي عن" أرض الميعاد" و" أمن الشعب اليهودي" لتبرير سياسات توسعية وقمعية.
يبقى السؤال المركزي معلقا: لو لم تكن القضية الفلسطينية في صلب الخطاب الإيراني، بأي سردية أخرى كان يمكن لمشروعها الإقليمي أن يكتسب هذا الزخم في الوعي العربي، إن كان مقدرا له أن يكتسبه أصلا؟في هذا السياق، تبدو التناقضات في السياسات الإيرانية، مثل دعمها أرمينيا في مواجهة أذربيجان ذات الأغلبية الشيعية، أو دعمها نظاما سلطويا في سوريا رغم خطاب نصرة المظلوم، جزءا من نمط أشمل لا استثناء إيرانيا وحيدا؛ فالمصلحة تبقى المحدد النهائي للسلوك، كما هو الحال لدى القوى الدولية التي تدعم أنظمة تناقض شعاراتها المعلنة عن الحرية والديمقراطية.
بهذا المعنى، لا تختلف إيران، في جوهر منطقها الواقعي، عن الولايات المتحدة وإسرائيل إلا في طبيعة الخطاب الذي يغلف هذا المنطق: خطاب ديني ثوري هنا، وخطاب ديمقراطي حقوقي أو أمني وجودي هناك.
أما القاسم المشترك فهو تغليب المصلحة والقوة على القيم كلما حصل التعارض.
هكذا، لا يمكن فهم مواقف الشارع العربي من إيران عبر الشعارات وحدها، بل عبر إدراك التداخل المستمر بين الأيديولوجيا والمصلحة، وبين الرمز والإستراتيجية، وبين ما تعد به الخطابات وما تنتجه السياسات على الأرض.
ويبقى السؤال المركزي معلقا: لو لم تكن القضية الفلسطينية في صلب الخطاب الإيراني، بأي سردية أخرى كان يمكن لمشروعها الإقليمي أن يكتسب هذا الزخم في الوعي العربي، إن كان مقدرا له أن يكتسبه أصلا؟الإجابة عن هذا السؤال ليست تمرينا افتراضيا، بل إنها مدخل ضروري لفهم أسباب التأييد والرفض، بعيدا عن الضجيج اللحظي، وبعيدا عن اختزال المشهد في صدام أديان أو حضارات، يخفي ما هو أعمق وأعقد بكثير.
من حق القارئ أن يعلم أن هذا النص تم تحريره بمساعدة أدوات ذكاء اصطناعي، بينما تعود الفِكَر والمحتوى وترتيب الحجج إلى الكاتب، الذي يتحمل وحده مسؤولية ما ورد فيه.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك