لم تعد العدالة الثقافية ترفا فكريا أو شعارا نظريا يرفع في المؤتمرات والندوات، بل أصبحت ضرورة وطنية مُلحّة في ظل التحولات الاجتماعية والاقتصادية المتسارعة التي تشهدها مصر.
فالثقافة، في جوهرها، ليست مجرد منتج إبداعي، بل هي حق أصيل من حقوق المواطن، وجزء لا يتجزأ من مفهوم العدالة الشاملة التي تسعى الدولة إلى تحقيقها.
العدالة الثقافية تعني، في أحد أبعادها، إتاحة الفرص المتكافئة لجميع المواطنين للوصول إلى المعرفة والإبداع، سواء عبر المكتبات العامة، أو قصور الثقافة، أو المنصات الرقمية، لكنها تعني أيضا الاعتراف بالتنوع الثقافي داخل المجتمع المصري، واحترام خصوصية البيئات المحلية، من النوبة إلى سيناء، ومن الصعيد إلى الدلتا، باعتبارها روافد ثرية للهوية الوطنية، لا مجرد هوامش على متن الثقافة المركزية.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية إعادة النظر في دور المؤسسات الثقافية الرسمية، بحيث تتحول من مجرد ناقل للمنتج الثقافي إلى شريك فاعل في إنتاجه محليا، فبدلا من تصدير العروض الجاهزة إلى الأقاليم، يمكن دعم المواهب المحلية وتمكينها من التعبير عن قضاياها بلغتها وأدواتها، بما يعزز الشعور بالانتماء ويكسر الإحساس بالتهميش.
كما أن العدالة الثقافية ترتبط ارتباطا وثيقا بالعدالة التعليمية والإعلامية، فمدرسة بلا نشاط فني، وجامعة بلا مسرح، وإعلام لا يسلط الضوء إلا على نماذج بعينها، كلها عوامل تعمق الفجوة الثقافية وتعيد إنتاجها.
ومن ثم، فإن تحقيق العدالة الثقافية يتطلب تكاملا بين السياسات العامة في مجالات التعليم والإعلام والثقافة.
ولا يمكن إغفال الدور المتزايد للتكنولوجيا في هذا الإطار، إذ تتيح المنصات الرقمية فرصة غير مسبوقة للوصول إلى المحتوى الثقافي، لكنها في الوقت ذاته قد تعمق الفجوة إذا لم تُدعّم بسياسات تضمن إتاحة الإنترنت بأسعار مناسبة، وتدريب المستخدمين على الاستفادة منه، فالعدالة الثقافية في العصر الرقمي لا تعني فقط وجود المحتوى، بل القدرة على الوصول إليه والتفاعل معه.
إن الحديث عن العدالة الثقافية في مصر هو في جوهره حديث عن العدالة الاجتماعية بمعناها الأشمل.
فالمجتمع الذي تتاح فيه الثقافة للجميع، دون تمييز أو إقصاء، هو مجتمع أكثر وعيًا وقدرة على مواجهة التحديات، وأكثر تماسكا في مواجهة محاولات التفتيت والتطرف بكل أشكاله.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك