النائب محمد بلتاجي اقترح فكرة مهمة حول مشاركة الأغنياء في سداد ديون مصر.
الفكرة في جوهرها ليست صادمة بقدر ما هي كاشفة؛ فهي تزيح الغبار عن سؤال ظل مؤجلًا طويلًا: من يدفع ثمن الأزمات حين تضيق الموارد وتتعاظم الالتزامات؟ما طرحه الدكتور رضا عبد السلام نقلًا عن مقترح النائب محمد بلتاجي لا يتحدث عن عموم المصريين، بل يضع إصبعه على شريحة محدودة تمتلك فائضًا ماليًا كبيرًا، ويطلب منها أن تتحمل نصيبًا استثنائيًا في لحظة استثنائية.
هنا يصبح النقاش مشروعًا، ليس حول المبدأ فقط، بل حول الشروط التي تمنع تحوله إلى حل مؤقت يعيد إنتاج الأزمة بدلًا من تفكيكها.
الاقتصاد المصري لا يعاني من رقم دين فحسب، بل من نمط إدارة يثير تساؤلات حول كفاءة توجيه الموارد.
فإذا كان الدين الخارجي يمثل العبء الأكثر حساسية بسبب ارتباطه بالعملة الصعبة، فإن جوهر الأزمة يكمن فيما يشبه الثقب الأسود الذي أشار إليه كثيرون، حيث تتآكل العوائد داخل منظومة تفتقر أحيانًا إلى الانضباط والكفاءة والشفافية.
ومن هنا، فإن أي دعوة لمساهمة الأغنياء -مهما بدت وطنية ومطلوبة- ستظل منقوصة ما لم تُربط بإصلاح هيكلي واضح يمنع تكرار الدائرة الجهنمية للاستدانة.
المقترح، إذا أُعيدت صياغته بعناية، يمكن أن يتحول من فكرة مثيرة للجدل إلى عقد اجتماعي جديد، لكن هذا التحول مشروط بضمانات صارمة.
أول هذه الضمانات هو الفصل الكامل بين حصيلة الصندوق المقترح والموازنة العامة، بحيث يُنشأ كيان مستقل يخضع لرقابة مزدوجة: برلمانية وشعبية، مع نشر دوري تفصيلي لكل جنيه يدخل ويخرج.
الشفافية هنا ليست ترفًا، بل شرط بقاء؛ لأن الثقة هي رأس المال الحقيقي لأي مبادرة من هذا النوع.
الضمانة الثانية تتعلق بهدف الصندوق نفسه: يجب أن يكون موجهًا حصريًا لسداد جزء محدد من الدين الخارجي، وليس تمويل نفقات جارية أو مشروعات جديدة.
أي انحراف عن هذا الهدف سيُفقد المبادرة معناها، ويحولها إلى مجرد مسكن مالي مؤقت.
ومن الضروري أيضًا وضع سقف زمني واضح لعمل الصندوق، حتى لا يتحول إلى آلية دائمة تريح الحكومة من مسؤولية الإصلاح.
أما الضمانة الثالثة، فهي الأهم والأصعب: التزام حكومي معلن وملزم بوقف التوسع في الاقتراض الخارجي إلا في أضيق الحدود الإنتاجية، مع إعادة ترتيب أولويات الإنفاق العام.
لا يمكن أن يُطلب من شريحة أن تضحي، بينما تستمر السياسات التي أفضت إلى الأزمة دون مراجعة.
وهنا تبرز ضرورة الانتقال من نموذج الدولة المنفذة إلى الدولة المنظمة، عبر التوسع الحقيقي في الشراكة مع القطاع الخاص بنظم مثل BOT وPPP، بحيث تتحمل الدولة دور الحكم لا اللاعب.
الضمانة الرابعة تتعلق بالعدالة: يجب أن تُصاغ آلية المساهمة بطريقة تصاعدية واضحة، تستهدف الدخول والثروات الكبيرة دون أن تمتد بأي شكل إلى الطبقات المتوسطة أو الدنيا.
ويمكن أن تكون المساهمة في صورة أدوات مالية مرنة، مثل سندات وطنية بعائد معقول أو مساهمات مشروطة، بما يحقق التوازن بين الواجب الوطني والحافز الاقتصادي.
ثم تأتي الضمانة الخامسة، وهي بناء سردية وطنية صادقة، لا دعائية، تعترف بحجم الأزمة وتشرح مسار الخروج منها.
فالمجتمعات لا تتحمل الأعباء الثقيلة إلا حين ترى طريقًا واضحًا ونهاية ممكنة.
إن إشراك رجال الأعمال يجب ألا يكون فقط عبر الضغط الأخلاقي، بل عبر إشراكهم في صنع القرار الاقتصادي، بما يضمن توجيه الاستثمارات نحو قطاعات إنتاجية حقيقية تولد العملة الصعبة وتقلل الاعتماد على الاستيراد.
في النهاية، قيمة المقترح لا تكمن في الأموال التي قد يجمعها بقدر ما تكمن في الرسالة التي يحملها: أن الخروج من الأزمة مسؤولية جماعية، لكن هذه المسؤولية لا تُبنى على النداء وحده، بل على الثقة والقواعد العادلة.
فإذا نجحت الدولة في تحويل هذه الفكرة إلى إطار مؤسسي شفاف، مقرون بإصلاح اقتصادي حقيقي، فقد تكون بداية لكسر الحلقة المفرغة.
أما إذا طُرحت بمعزل عن تلك الشروط، فستظل مجرد صدى لأزمة تتكرر، لا حلًا لها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك