سكاي نيوز عربية - بوتين يعتبر الاتهامات "سخيفة".. وزيلينسكي يدعوه إلى مفاوضات وكالة شينخوا الصينية - الصين تطلق برنامجا تجريبيا تعاونيا مشتركا بين الوزارة والمقاطعات لابتكار وتطوير تقنيات الجيل السادس الجزيرة نت - كأس العالم 2026.. فرصة ذهبية أم معركة خسائر لشركات المراهنات؟ قناة الغد - «النواب الأميركي» يقر حزمة عقوبات «واسعة» ضد روسيا ومساعدات لأوكرانيا قناة التليفزيون العربي - المستشار العسكري للمرشد الإيراني يوجه رسالة لإسرائيل ويحذر واشنطن من انسداد أفق المفاوضات قناة الجزيرة مباشر - الرئيس الأوكراني يوجه دعوة إلى نظيره الروسي لوقف القتال بين البلدين وبوتين يرفض القدس العربي - النفط دون تغير يذكر وسط حالة من الغموض بشأن التطورات بين أمريكا وإيران CNN بالعربية - وزير أمريكي: سياسات الديمقراطيين السبب الرئيسي لارتفاع أسعار البنزين وليس حرب إيران العربي الجديد - الهروب من المخاطرة: غموض المفاوضات الأميركية الإيرانية يربك الأسواق العربي الجديد - الضفة الغربية | شهيد في رام الله وهجمات للمستوطنين في عدة مواقع
عامة

الضحية الغائبة والجلاد المرئي: قراءة في فيلم «مركز الاهتمام»

القدس العربي
القدس العربي منذ 1 شهر
1

قد لا نجانب الصواب إذا ما قلنا مراراً وتكراراً أن ثيمة الاستغراق في تمثيلات الهولوكوست في السينما الغربية، سوف تبقى جزءاً من منظور صانعي السينما الغربية، بوصفها موضوعاً يستهدف تحقيق غايات ووظائف محددة...

ملخص مرصد
يتناول فيلم «مركز الاهتمام» (2023) للمخرج جوناثان غليزر تصوير الهولوكوست من منظور الجلادين، متجنبًا صور العنف المرئي. يركز على حياة عائلة قائد معسكر أوشفيتز، التي تعيش حياة طبيعية بجوار الجريمة، مع إبراز التناقض بين الجمال والوحشية. الفيلم يستحضر أسئلة أخلاقية حول الذاكرة والظلم المستمر في مناطق أخرى مثل غزة.
  • الفيلم يتجنب صور العنف المرئي ويصور حياة عائلة قائد معسكر أوشفيتز بصورة طبيعية
  • الزوجة ترفض مغادرة المنزل المجاور للمعتقل رغم أصوات التعذيب خلفه
  • الفيلم يستحضر أسئلة أخلاقية حول الذاكرة والظلم في مناطق مثل غزة
من: جوناثان غليزر (مخرج الفيلم) أين: معسكر أوشفيتز ومنزله المجاور

قد لا نجانب الصواب إذا ما قلنا مراراً وتكراراً أن ثيمة الاستغراق في تمثيلات الهولوكوست في السينما الغربية، سوف تبقى جزءاً من منظور صانعي السينما الغربية، بوصفها موضوعاً يستهدف تحقيق غايات ووظائف محددة، أهمها نسبة التلقي الجماهيري – مع أن هذا الأمر قد تراجع بعض الشيء – أو محاولة استجلاب نوع من أنواع التقدير والاهتمام النقدي من لدن نقاد السينما، أو المهرجانات السينمائية الدولية، التي ترى هذه الأفلام حاملة لرسالة ذات طبيعة إنسانية تستحق تقديراً نقدياً! وربما لا نجانب الصواب أيضاً إذا ما قلنا، إنها قد تُستخدم في غايات ووظائف ذات أبعاد أيديولوجية واضحة، تنهض على تكريس مفهوم الضحية، التي ترغب السينما في جعلها مقصورة على معيار النموذج اليهودي مع استبعاد أي نماذج أخرى إلى حد ما.

في الفيلم الذي حمل عنوان «مركز الاهتمام» The Zone of Interest، 2023 من إخراج جوناثان غليزر، نشاهد مقاربة سينمائية جديدة – إلى حد ما – تتعلق بتصوير معسكرات الاعتقال أوشفيتز، ولكن من منظور يعتمد مبدأ حجب العنف المرئي بما يكمن فيه من مظاهر وصور، مقابل خلق معادل، أو مقابل مواز يتمثل في بناء صورة طبيعية للجلاد الذي يمارس عمله، وحياته بالقرب من مكان الجريمة، التي لا يمكن أن تسقط بالتقادم، كما ذهب الفيلسوف الفرنسي فلاديمير جانكلفيتش في كتابيه «الصفح» و«ما لا يقبل التقادم»، حيث أبان فيه عن إمكانية تحقق الغفران، أو الصفح من جهة، مع استحالة محو بعض الجرائم من الذاكرة الأخلاقية، وهي الصيغة التي يقترب الفيلم منها في تصوير مفارقة قوامها حياة يومية تبدو عادية، ولكنها قائمة بالتجاور مع بنية عنف، أو جريمة كامنة لا تقبل النسيان أو التجاوز.

يعتمد الفيلم نمطاً إخراجياً جديداً ينهض على تغييب واضح ومقصود لصورة الضحية التي تعاني من القتل والتعذيب بصورة تكاد تكون مطلقة، فالفيلم الذي ينفتح على شاشة سوداء تطول بعض الشيء، بيد أنها تحيل إلى غياب صورة الموضوع، ولكن العنف قائم، إلا أنه غير معاين أو مشاهد، ومن ثم سرعان ما نلج المشهد الأول الذي نرى فيه عائلة ألمانية تتكون من عدد من الأطفال مع والدهم ووالدتهم على ضفة بحيرة، يمارسون الاستجمام في الصيف في حضن الطبيعة، كما السباحة والمزاح والاستمتاع، مع التركيز على ما تقوم به الأم والأب من رعاية، وحب لأطفالهما بصورة تعكس ما يكمن في داخل الإنسان من نسق طبيعي ينهض على الجمال والحب والخير، ومن ثم تنتقل الكاميرا إلى منزل جميل مرتب ومنظم، نرى فيه عدداً من الخادمات اللواتي يقمن بالترتيب والتنظيف، مما يعني نمطاً طبيعياً لأي حياة لأسرة تمارس تكوينها الطبيعي بصورة صحية، وشبه مثالية.

وعلى الرغم من المشاهد التي حضرت بصورة شبه متكررة لتكوين نمط روتيني، غير أنه يجب ألا نغفل عن التركيز على البعد المكاني لهذا المنزل الذي يحتوي على حديقة جميلة، حيث تنشغل الأم بأعمال البستنة والتنظيم والترتيب، فضلاً عن وجود بركة سباحة، والكثير من المزروعات والورود والأزهار، ومن أجل تأكيد هذا النسق يمضي الفيلم ضمن نسق طبيعي لهذه العائلة، ومن ذلك مشهد آخر نرى فيه العائلة تقدّم قارباً صغيراً هدية للأب في عيد ميلاده، ولكن الكاميرا سرعان ما تنزاح لبيان التكوينات المؤسسة لهذه العائلة، فالأب ضابط أو قائد معسكر أوشفيتز المجاور للمنزل، حيث لا يفصلهما سوى جدار، وخلف ذلك الجدار ثمة ممارسات التعذيب والقتل، ومع ذلك فإن الضباط والجنود الذين يعملون هناك يأتون في يوم عيد الميلاد من أجل تقديم التهنئة، ضمن أجواء احتفالية طبيعية تعكس قيمية العلاقات الإنسانية الطبيعية.

يعمد الفيلم إلى تطوير حبكته من خلال أمر استدعاء أو قرار من القيادة المركزية بنقل هذا الضابط من عمله كقائد في المعسكر إلى موقع ومركز آخر، مما يتطلب من الأسرة الانتقال من هذا المكان الجميل الذي يكمن في وعيهم بوصفه جنة، مما يؤدي إلى نوع من أنواع الانشقاق أو الخلاف بين الزوجين، فالزوجة لا ترغب في مغادرة هذا المكان؛ لأنها ترى فيه حلماً كانت تنتظره لفترة طويلة – على الرغم من تجاوره مع الموت- في حين يمكن قراءة نسق تموضع الأم، أو الزوجة بوصفها حضوراً إشكالياً، فهي تصّور بوصفها حارسة النسق الطبيعي للأسرة، ولكنه حقيقة نسق قيمي زائف، ففي الجوار غير المعاين، أو المشاهد نسمع أصوات طلقات، وتعذيب، وآلام، وبذلك تلعب البنية المعمارية للمكان ممثلة بالجدار، جزءاً من تكوين رسالة قيم الفصل بين الخير، والشر، أو ممارسة الحياة مقابل ابتكار الموت، وبينهما تكمن بيروقراطية الشر المنفصلة كلياً عن نسق الحياة الطبيعية، فممارسة القتل لا تعكر صفو الحياة، من منطلق أن الأمر أقرب إلى وظيفة تستحق التقدم، والترقية، ولهذا نرى بعض الضباط أو العلماء يحضرون لتقديم بعض الاختراعات التي تتعلق بطريقة عمل أفران الغاز والقتل، في حين تعقد اجتماعات لتحقيق الغاية القصوى من الفعل، من حيث تحديد أعداد من يجب أن يقتلوا، ومن يجب أن يُبقى على حياتهم للعمل في المعتقل بهدف تحقيق الإنتاجية المطلوبة ضمن إجراءات ذات طابع بيروقراطي.

في هذا السياق نستدعي تلك التنظيرات التي تحاول أن تبحث في مكنون، أو مفهوم الشر، هل هو كامن في الداخل؟ أم يمكن أن يكون جزءاً مضمراً من شخصية الإنسان؟ أم هو عبارة عن ممارسة بيروقراطية ذات طبيعة عملية كما ناقشت حنا أرنت في الكثير من أعمالها؟إن ما يريد الفيلم أن يعكسه بوضوح البحث في ذلك التناقض الجلي أو المفارقة بين عملية الانعزال، أو الانفصال عن الواقع لا على المستوى الجغرافي أو المكاني فحسب، إنما في وعي الشخصيات، وعقلها، كما مشاعرها وعواطفها، بالتوازي مع ممارسة إيقاع الحياة اليومية، في حديقة المنزل المخصصة للأطفال، والمسبح، ونمط العلاقة الطبيعية بين أب يقرأ لابنه قصة «هانسل وغريتل»، التي تحتوي على مفردات الغابة، والمنزل، والأفران، وهي المفردات عينها تحضر غير بعيد عن المنزل، كما الطفل الذي يلعب في غرفته، ونافذته تطل على جدران المعسكر حيث أصوات التعذيب، والقتل، ولكن الجميع يتجاهلون ذلك كون الضحية غير موجودة في الأفق المعاين.

لعل المشهديات السابقة تدفعني لمعالجة فلسفة وعي الرؤية، فالإنسان حين تغيب المشهدية يصبح قادراً على تجاهل ما يكمن في الفعل من شر، فيتحرر من تبعية التعاطف، أو المسؤولية، ذلك أن حجب الألم لا يلغيه، حسب رأي سوزان سونتاغ، كما نرى العائلة الألمانية التي تنشغل فقط بالحياة بصورة تبدو لنا طبيعية، ما يدعونا إلى بناء مفارقة تتشكل في وعي المشاهد، وتنهض على محاولة فهم أبعاد هذا الواقع بتناقضاته الواضحة، بالتوازي مع محاولة طرح العديد من الأسئلة تجاه محاولة فهم ميكانيكية عمل عقل الإنسان وعاطفته.

إن المفارقات التي سعى الفيلم إلى الاعتماد عليها، وتتمثل بتأكيد أن الشر، أو ابتكار الموت يمكن حجمه، بتحييده بصرياً بيد أن هذا ينطوي على مفارقة مركبة، من حيث توفر الرسالة عينها التي رغب الفيلم في نقلها إلى المشاهد، فالضحية التي عانت من هذا التجاهل صنعت تجاهلاً آخر، ومارست النسق عينه في فلسطين، حيث سعت إلى بناء جدران إسمنتية، وأسوار شائكة تعزل الفلسطينيين، وتحاصرهم، ومن ثم تقصفهم، وتجوعهم.

وهكذا أنتجت الضحية ضحية أخرى بالآليات عينها، ولكن الأهم الفلسفة ذاتها، وأعني تغييب صورة الضحية، أو تجاهلها، على الرغم من أن أصوات الألم ممثلة بالقصف، والصراخ مستمرة ليست بعيدة عن حياة طبيعية للآخر، كما أن القيمة الأكبر تتمثل في أن هذا لم يكن في معسكر، إنما حوله الكيان إلى ممارسة على مستوى الدولة، إذ أضحت فلسطين معسكر أوشفيتز، وبذلك تحضر آلية الحجب بوصفها سلطة خطاب، وممارسة حسب تنظير ميشيل فوكو.

أما المنطقة الأخرى التي شكلت وعي الفيلم، وآلية تفكيره بالشر، فيتمثل بالشهادة الصامتة، أو العجز كما برزت في شخصية السيدة العجوز (والدة الزوجة) التي تحضر للحياة معهم، ولكنها سرعان ما تعجز عن تجاهل أصوات الألم، أو التكيف معها بوصف هذه الشخصية إحالة إلى ذاكرة الجيل السابق للنازية، على عكس ابنتها (زوجة القائد) التي طورت وعيها للاندماج، في حين أن أمها لم تتمكن من ذلك فرحلت في أحد الصباحات، من دون علم العائلة، وبذلك يشكل هذا الرحيل نوعاً من الرفض الصامت، أو عدم القدرة على الاندماج في الفردوس الزائف.

إن محاولة الفيلم خلق معادل آخر للشر ينهض على مشهديات تصور فتاة بولندية من السكان المحليين، وهي تضع الطعام أو الفواكه في أماكن عمل المعتقلين، فتغرزها في التراب، أو في مكان غير ظاهر، مما يعني محاولة خلق فجوة في جدار الشر.

إن الفتاة التي تظهر في تقنية تصوير الرؤية الليلية الحرارية تحيل على فعل مقنع لبعث الحياة بالخفاء بداعي الخوف، ومن هنا يمكن تمثل دلالة الجسد المضيء بوصفها ظلالا تعمل في العتمة، فالفتاة تعني تمثيلاً للأمل، والسؤال الأخلاقي، غير أن المعنى الذي يجب أن نتأمله في الحاضر حين نتساءل عن دورنا الأخلاقي حين كانت غزة تعاني من التجويع، كما أي شعب مضطهد؟ وهل كان ثمة فتاة تخبئ الطعام لشعب تجاوز المليونين!تشكل المشهديات الأخيرة في الفيلم وعي الذاكرة حين نرى مجموعة من الخادمات في الزمن الحاضر، وهن يقمن بتنظيف المكان عينه الذي تحول إلى متحف، وثمة في المعروضات متعلقات الضحايا من أحذية، وملابس، وغير ذلك، غير أن هذا يأتي ضمن تكوين بصري إخراجي يعمل على خلق نمط طباقي ـ حسب تنظير إدوارد سعيد- من ناحية تماثل الفعل الآني في المكان عينه، ولكن باختلاف الزمن حيث نستحضر مشهد الخادمات اللواتي كن يعملن في ذلك المنزل لرعاية النمط الطبيعي لحياة عائلة قائد المعسكر.

وهكذا يبرز مفهوم الذاكرة التي تسعى إلى تعرية فعل الشر، الذي حُجب كي يكون جزءاً من أرشفة الجريمة، وذاكرتها، ولكن علينا أن نتذكر أن هذا المعنى، أو بمعنى أدق أن الجريمة مستمرة ضمن البنية عينها، ولكن في مكان، وزمن آخرين، ومن هنا يمكن تفهم عنوان الفيلم فمركز الاهتمام من ناحية إدارية يعني ذلك المنزل المجاور لمعسكر الموت الذي تُحجب صوره، غير أن هذا لا يبتعد عما يحصل في فلسطين كل يوم، فضحية الأمس أمست جلاد اليوم، ولكن مع توفر الخبرة الكافية لإدارة الموت، وحجبه، والتعامل معه، ولكن السؤال يتمثل هل نحتاج انتظار وعي جديد لتنهض الإنسانية لإيقاف الجريمة عينها!

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك