ليست كل النساء سواء… فبعضهن خُلقن ليعشن الحياة، وبعضهن خُلقن ليحملنها فوق أكتافهن كأنهن الأرض حين تُثقلها الجبال فلا تشكو، وكأنهن السماء حين تمتلئ بالغيوم فلا تسقط إلا مطرًا رحيمًا.
هي تلك المرأة التي نامت على وسادة القلق، واستيقظت على صوت المسؤولية، لا يربّت على كتفها أحد، ولا يشاركها الخوف أحد، تمشي في الحياة كجندي وحيد في معركة طويلة، لا تملك رفاهية الانكسار، ولا تجرؤ على البكاء طويلًا، لأن خلفها قلوبًا صغيرة تنبض بها، وتتنفس من روحها.
أيّ وجعٍ هذا الذي يجعل امرأة تقوم مقام رجلٍ غاب؟ وأيّ قوةٍ تلك التي تُنبت في قلبها ألف ذراع، لتحتضن، وتعمل، وتُربي، وتُحارب، وتُخفي ضعفها خلف ابتسامةٍ مُتعبة؟ هي لم تختر أن تكون وحدها، ولكنها وجدت نفسها في منتصف الطريق، بلا سند، بلا كتف، بلا يدٍ تُمسك بها حين تميل بها الحياة، فشدّت على قلبها، ووقفت، وقالت للحياة: “أنا لها.
”لكن، أيها الغائبون عن معنى الرجولة… ليست الرجولة كلمة تُقال، ولا مظهرًا يُرتدى، ولا صوتًا عاليًا يُخيف النساء، الرجولة موقف، الرجولة أن تبقى حين يهرب الآخرون، أن تتحمل حين يثقل الحمل، أن تكون ظلًا لأولادك لا شبحًا في ذكرياتهم.
أيّ أبٍ هذا الذي يُنجب أبناءه ثم يتركهم فريسةً للحرمان؟ وأيّ قلبٍ هذا الذي ينام مطمئنًا، وأطفاله يفتقدون دفء وجوده؟ كيف لرجلٍ أن يتخلى عن جزءٍ من روحه، ثم يدّعي أنه ما زال كاملًا؟ الأب ليس ورقة طلاق تُوقّع، ولا نفقة تُرسل آخر الشهر، الأب حضن، الأب أمان، الأب دعامة لا تسقط، حتى وإن تكسّرت كل الجدران.
وإن كانت المرأة قد أثبتت أنها قادرة على أن تقوم بدورين، بل بثلاثة أدوار، فإن ذلك لا يُسقط عن الرجل واجبه، ولا يُبرر غيابه، ولا يمنحه صكّ البراءة من تقصيره.
نحن لا نطلب المستحيل، نطلب عدلًا، نطلب قوانين لا تترك الأم وحدها في ساحة الحرب، ولا تجعل الطفل يدفع ثمن خلافٍ لم يختره، نطلب مجتمعًا يُدرك أن الأسرة ليست علاقة مؤقتة، بل مسؤولية ممتدة، لا تنتهي بورقة، ولا تُمحى بخلاف.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك