تُعد الحرب الأمريكية على إيران فرصة لخبراء العلوم السياسية لدراسة المتغيرات التي يمكن أن تنتج عن هذه الحرب، وفي السياق نفسه هل لهذه الحرب تأثير على الإمبراطورية الأمريكية؟ هذه الإمبراطورية التي تربعت على قمة العالم منذ ما يقرب من قرن، وهذه المدة ليست مدة طويلة في أعمار الإمبراطوريات، فهل من تأثير للحرب على إيران على عمر الإمبراطورية الأمريكية؟ ولماذا يشغف الناس ببناء وتأسيس إمبراطورية؟ هل هي القوة وغطرستها؟ هلى هو الحلم بالعظمة والمجد والخلود؟
الإمبراطورية شغف متأصل في النفس البشرية، تمثل الحلم الأبدي بالخلود والهيمنة، تجسيد لرغبة الإنسان في كتابة اسمه على جدار الزمن بمداد لا يمحوه الغبار، حين ننظر إلى أطلال روما أو أهرامات مصر أو قصور بابل، نشعر بأن هؤلاء القوم انتصروا على الموت، ما زالوا حاضرين في وعينا بعد قرون، هذا الشغف أيضا ينبع من حب النظام والتنظيم، فالإمبراطورية تقدم نموذجا مبسطا للعالم حيث تعرف من يحكم ومن يحكم، وتعرف قواعد اللعبة، وتستطيع أن ترى بعينيك كيف تتحول القبائل المتناحرة إلى أمة واحدة تحت راية واحدة.
حكاية تأسيس الإمبراطوريات تبدأ بالعصا والجزرة معا، الإمبراطورية لا تولد من رحم الفراغ، بل من صراع البقاء ذاته، قبيلة أو مدينة أو دولة صغيرة تبدأ بتطوير آلة حربية متفوقة، في الوقت ذاته تبتكر عقيدة أو دينا أو نظاما قانونيا يبرر التوسع ويجذب الشعوب الأخرى، روما بدأت قرية صغيرة على ضفاف نهر التيبر، ثم أسست جيشا نظاميا لم يعرف التاريخ له مثيلا، في الوقت ذاته منحت الجنسية للشعوب المغلوبة وأشركتهم في المجد، العرب في صدر الإسلام، كيف خرجوا من صحراء الجدب والقحط ليؤسسوا دولة تمتد من الصين إلى الأندلس في أقل من قرن، جمعوا بين القوة العسكرية ورسالة دينية حاملة لقيم العدل والمساواة.
هل الإمبراطورية تعني الحضارة؟ الإجابة ليست نعم أو لا بشكل مطلق، كل إمبراطورية كبرى أنجبت حضارة، لكن ليست كل حضارة نتج عنها إمبراطورية، الحضارة أوسع وأعمق، هي النتاج الفكري والفني والعلمي والأخلاقي لأمة ما، الإمبراطورية الإطار السياسي والعسكري الذي يحتضن هذه الحضارة أحيانا، لكنه قد يخنقها أحيانا أخرى، اليونان الكلاسيكية أنتجت حضارة عظيمة لكنها لم تكن إمبراطورية بالمعنى المركزي، بينما الرومان أخذوا هذه الحضارة وأضافوا إليها الهندسة والقانون والإدارة، لكنهم لم يضيفوا كثيرا في الفلسفة أو الفن، الصين عبر تاريخها الطويل أنتجت حضارة متصلة، لكن الإمبراطوريات الصينية تعاقبت وتلاشت بينما بقيت الحضارة، إذن العلاقة بينهما هي علاقة تداخل لا تطابق، الإمبراطورية القشرة والحضارة الجوهر، قد تظل القشرة بعد أن يذهب الجوهر، وقد يبقى الجوهر بعد أن تتحطم القشرة.
أهم الإمبراطوريات في التاريخ، الإمبراطورية الأكدية بزعامة سرجون الأكدي قبل 4300 عام، وهي أول إمبراطورية حقيقية في التاريخ، حيث نجح سرجون في توحيد مدن بلاد الرافدين تحت سلطة مركزية لأول مرة، معتمدا على جيش دائم وأسلحة متفوقة، ثم جاءت الإمبراطورية الفارسية الأخمينية التي أسسها كورش الكبير، وتميزت بنظام إداري عبقري قسم الإمبراطورية إلى ولايات، حكمها حكام محليون مع رقابة مركزية، ومنحت الشعوب المختلفة حرية دينها ولغتها، الإمبراطورية الرومانية أسسها أغسطس قيصر بعد انهيار الجمهورية، وبلغت ذروتها تحت حكم تراجان، وتميزت بقوانينها الموحدة وطرقها التي لا تزال قائمة حتى اليوم وجيشها الذي كان نموذجا للانضباط، الإمبراطورية الإسلامية أسسها النبي محمد ثم الخلفاء الراشدون والأمويون والعباسيون، وتميَّزت بسرعة انتشارها المذهلة، حيث اجتاحت بلاد فارس والشام ومصر وشمال إفريقيا والأندلس في عقود قليلة، وكان سر نجاحها الجمع بين العقيدة المحفزة والتسامح مع أهل الكتاب، الإمبراطورية المغولية أسسها جنكيز خان، الذي حول القبائل المتناحرة في سهوب آسيا إلى أقوى آلة حربية عرفها العالم، ومزق جيشه الخفيف المتحرك جيوش الإمبراطوريات المستقرة، وامتدت من الصين إلى روسيا وبولندا، الإمبراطورية البريطانية، تلك التي لا تغيب عنها الشمس، أسستها شركة الهند الشرقية أولا ثم التاج البريطاني، واعتمدت على التفوق البحري والقوة المالية والقدرة على توظيف النخب المحلية في إدارة مستعمراتها، التاريخ الحديث يتضمَّن إمبراطوريات، لكنها تخفي وجهها أحيانا، الإمبراطورية النابليونية ظهرت في بداية القرن التاسع عشر، حيث سيطر نابليون بونابرت على معظم أوروبا بعد الثورة الفرنسية، وأسس نظاما إداريا حديثا ومدونات قانونية لا تزال قائمة حتى اليوم.
الإمبراطورية الألمانية (الرايخ الثاني) ظهرت عام 1871 بعد توحيد بسمارك ألمانيا، وكانت إمبراطورية صناعية وعسكرية قادت أوروبا إلى الحرب العالمية الأولى، ثم جاء الرايخ الثالث الهتلري الذي حاول بناء إمبراطورية تحيا ألف عام، لكنها لم تعش أكثر من 12 عاما، الإمبراطورية اليابانية توسعت في شرق آسيا والمحيط الهادئ تحت شعار منطقة الازدهار المشترك وأسست نظاما استعمارياً قاسيا، والإمبراطورية السوفيتية، رغم نظامها الشيوعي، كانت إمبراطورية كلاسيكية في سلوكها وهيكلها، سيطرت على عشرات الجمهوريات والدول التابعة في أوروبا الشرقية وآسيا الوسطى، وفرضت نظامها الحزبي الواحد واقتصادها الموجه.
هل أمريكا إمبراطورية؟ سؤال يحير المؤرخين وعلماء السياسة، إذا عرفنا الإمبراطورية بأنها دولة تسيطر على أراض وشعوب خارج حدودها القومية، فإن الولايات المتحدة إمبراطورية، لأن لها أراض غير ملحقة مثل بورتوريكو وجوام، وقواعد عسكرية في كل قارة، وتدخلاتها العسكرية والسياسية في شؤون الدول الأخرى تعادل ما كانت تفعله الإمبراطوريات الكلاسيكية، لكن إذا تمسكنا بأن الإمبراطورية يجب أن يكون لها شكل حكم محدد كالإمبراطور أو القيصر، فإن أمريكا جمهورية ديمقراطية.
الحقيقة أن الإمبراطورية ليست شكلا من أشكال الحكم بقدر ما هي نمط من العلاقات الدولية القائمة على الهيمنة، روما كانت جمهورية قبل أن تصبح إمبراطورية بمعنى الحكم الفردي، مارست الهيمنة على البحر المتوسط وهي جمهورية، أثينا كانت ديمقراطية وهي تبني إمبراطوريتها البحرية، إذن أمريكا إمبراطورية غير تقليدية، إمبراطورية غير رسمية، تفضل الهيمنة غير المباشرة عبر القوة الناعمة والمال والعقود العسكرية وتحالفات الناتو، بدلا من الحكم المباشر والاستعمار التقليدي، يسميها البعض الإمبراطورية غير المرئية.
انهيار الإمبراطوريات أشد إثارة من بنائها، الإمبراطوريات تنهار لأن كل إمبراطورية تحمل في أحشائها بذور فنائها، التوسع المفرط القاتل الأول، تمتد الإمبراطورية أكثر مما تستطيع إدارته وحمايته، وتستهلك مواردها في حماية الأطراف البعيدة، فتضعف في القلب.
هذا ما حدث لروما بعد أن بلغت ذروتها في عهد تراجان، فبدأت بالانسحاب والتقلص.
المشكلة الاقتصادية كانت أكبر مشاكل الإمبراطورية، تكاليف الإدارة والجيش تفوق الإيرادات، والضرائب تثقل كاهل الرعية، فتنشأ الثورات.
الأمراض والأوبئة لعبت دوراًكبيرا، فالطاعون الأنطوني قتل ملايين الرومان وأضعف الإمبراطورية.
الغزوات من الخارج كانت عاملا حاسما، الإمبراطورية الضعيفة تصبح فريسة للبرابرة على حدودها.
لكن العامل الأعمق فقدان الشرعية، حين تبدأ الشعوب المحكومة بفقدان الإيمان بعدالة النظام، حين يتحول الحلم الإمبراطوري إلى كابوس استغلالي، وحين تنفصل النخبة الحاكمة عن قواعدها الشعبية.
أطول إمبراطورية عرفتها البشرية الإمبراطورية الرومانية , تأسست الجمهورية (509 ق.
م) حتى سقطت القسطنطينية (1453 م) أي حوالي ألف عام، لكن المرحلة الإمبراطورية وحدها بدأت من عهد أغسطس (27 ق.
م) إلى سقوط الغرب (476 م) أي حوالي 500 عام.
وإذا اعتبرنا أن الإمبراطورية البيزنطية استمرارا لروما فيكون عمرها 1123 عاما من تأسيس القسطنطينية حتى سقوطها.
لماذا طال عمر روما؟ لأنها تعلمت التكيف، غيرت دينها من الوثنية إلى المسيحية، غيرت عاصمتها من روما إلى القسطنطينية، استوعبت الشعوب الجرمانية في جيشها وإدارتها.
الصين تعد صاحبة أطول الحضارات عمرا لكن الإمبراطوريات فيها تعاقبت، وأطولها كانت إمبراطورية تشينج التي حكمت 267 عاما.
أما أقصر الإمبراطوريات عمرا فهي إمبراطورية نابليون الثانية التي أعلنها نابليون الثالث عام 1852 وسقطت عام 1870 بعد هزيمته في معركة سيدان، أي 18 عاما فقط.
ولكن أقصر إمبراطورية فعلا، فهي إمبراطورية أوجوجو في وسط أفريقيا , أعلنها زعيم قبلي عام 1976 وأطيح به بعد أسبوع واحد.
وهناك إمبراطورية كندا التي نصبت على سبيل المزاح.
لكن الأقصر بين الإمبراطوريات الجادة إمبراطورية البرازيل التي استمرت 67 عاماً فقط.
لم ينتهي بعد عصر الإمبراطوريات , سيشهد المستقبل تأسيس إمبراطوريات لكن ليس كما عرفناها في التاريخ.
الإمبراطورية القادمة لن تكون بالضرورة دولة قومية تمتد بالفتوحات العسكرية التقليدية، بل ستكون إمبراطوريات رقمية وإمبراطوريات اقتصادية وإمبراطوريات أيديولوجية.
الشركات التكنولوجية العملاقة التي تسيطر على حياة مليارات البشر دون أن تحتاج إلى جيوش أو حدود.
الصين اليوم تبني نموذجا جديدا للهيمنة عبر مبادرة الحزام والطريق، تمد شبكاتها الاقتصادية عبر آسيا وأفريقيا وأوروبا.
روسيا تسعى لاستعادة أمجادها الإمبراطورية ليس بالفتوحات التقليدية بل بحروب هجينة وتدخلات انتخابية ونفوذ طاقي.
الاتحاد الأوروبي نوع من الإمبراطوريات الطوعية باختيار أعضائه، حيث تتنازل الدول عن سيادتها للحصول على أمن وازدهار أكبر.
أسباب عودة الإمبراطوريات هي نفسها الأسباب القديمة , الحاجة إلى الأمن الجماعي، الرغبة في السيطرة على الموارد، الطموح البشري للسيطرة، والخوف من الفوضى.
الفرق أن الإمبراطورية القادمة سترتدي ثوباً مختلفا، لن تكون فيها تيجان ذهبية ولا حرس بريتوري، بل ستكون خوارزميات ذكاء اصطناعي ومنصات رقمية وحروب معلوماتية.
هكذا نعود إلى بدايتنا , إلى الشغف الإنساني الخالد بالعظمة والخلود.
يبني الإنسان الإمبراطوريات لأنه يريد أن يتحدى محدوديته، يريد أن يقول للزمن , ها أنا ذا لن تمر بي مرور الكرام.
الإمبراطورية هي الحلم الأعظم والكابوس الأكبر في آن واحد.
هي إنجاز البشرية الأكثر إثارة للجدل، لأنها في آن واحد تبني الجسور وتحرق الجسور، توحد الشعوب وتستعبدها، تخلق نظما وتدمر حريات.
هل يستطيع الإنسان أن يعيش بدون الإمبراطوريات؟ التاريخ الطويل يقول لا , المستقبل الغامض يقول ربما، لكن القلب البشري المليء بالأحلام والطموح والأوهام يقول , الإمبراطورية ستعود، لكن ليس كما تعرفونه.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك