عمّقت الحرب الأمريكية ـ الإسرائيلية ضد إيران من انقسام الأحزاب السياسية العراقية، الشيعية على وجه الخصوص، والتي طالما تصدّرت المشهد بعد عام 2003، وأسهمت بنشوء تفاهمات جديدة على حساب انحسار نفوذ قيادات كان لها الأثر الأبرز في إدارة البلاد على مدار أكثر من 20 عاماً، الأمر الذي يُنذر بمرحلة جديدة تضع الاستقرار السياسي الهشّ على المحكّ.
وما إن بدأت الهدنة بين واشنطن وطهران، حتى بدأت القوى السياسية الشيعية المنضوية تحت لواء “الإطار التنسيقي”، بالتفكير بالتضحية بترشيح زعيم ائتلاف “دولة القانون” والأمين العام لحزب “الدعوة الإسلامية”، نوري المالكي، واختيار بديل عنه، رضوخاً “للفيتو” الأمريكي.
المالكي، الذي شغل منصب رئيس الوزراء لدورتين متتاليتين (2006 – 2014)، سبق أن أعلن في مناسبات عدّة أن مسألة الترشيح أو سحبه مرهونة بقرار “الإطار”، بيد أن موقف حلفائه السابقين مثل عمار الحكيم، زعيم تيار “الحكمة”، وقيس الخزعلي، الأمين العام لحركة “عصائب أهل الحق”، وغيرهم من الرافضين لعودته إلى السلطة مجدداً، قد يهدد بقاء المالكي ضمن البيت الشيعي.
وفي حال قرر زعيم ائتلاف “دولة القانون” ترك مقعده في “الإطار”، فإن ذلك سيضعف وحدة الشيعة في الساحة السياسية، خصوصاً وأنهم لا يمثلون إجماعاً سياسياً بالأساس، بسبب غياب زعيم التيار الصدري، مقتدى الصدر، عن المشهد منذ 2022.
دفعت آلية انتخاب رئيس الجمهورية الحزب “الديمقراطي” الكردستاني، بزعامة مسعود بارزاني، إلى التفكير جدياً بالانسحاب من العملية السياسيةكردياً، دفعت آلية انتخاب رئيس الجمهورية الجديد نزار آميدي، خلفاً لعبد اللطيف جمال رشيد، عن حزب “الاتحاد الوطني” الكردستاني، الحزب “الديمقراطي” الكردستاني، بزعامة مسعود بارزاني، إلى التفكير جدياً بالانسحاب من العملية السياسية.
وقاطع نواب الحزب (26 نائباً) جلسة انتخاب الرئيس السبت الماضي، احتجاجاً على عدم منح الأكراد مزيداً من القوت للتفاهم وحسم مرشحهم للمنصب الرئاسي.
عقب ذلك، قرر الحزب استدعاء وزرائه ونوابه إلى مدينة أربيل عاصمة إقليم كردستان العراق، ومعقله الرئيس للبحث في خطوتهم اللاحقة.
وأعلن المكتب السياسي للحزب رفضه التعامل مع “الشخص” الذي تم اختياره رئيساً للجمهورية خارج إطار النظام الداخلي لمجلس النواب والآلية الكردستانية.
وذكر، في بيان صحافي حينها، أن “كتلة الحزب في مجلس النواب ووزراءه في الحكومة الاتحادية سيعودون إلى إقليم كردستان لتقييم الوضع والتشاور”.
وأوضح الحزب أن انتخاب رئيس الجمهورية جرى بطريقة كانت “خارج إطار النظام الداخلي المصادق عليه للمجلس”، حيث قامت رئاسة مجلس النواب بتحديد جدول أعمال الجلسة دون اكتراث بالنظام الداخلي للمجلس”، وعدّ ذلك “انتهاكاً للقانون”.
كما لفت إلى أن المرشح “كان خارج الآلية الكردستانية، في حين أن هذا المنصب هو استحقاق لشعب كردستان وليس لحزب بعينه”، مشيراً إلى أن المرشح للمنصب “تم تحديده من قبل حزب واحد وصادقت عليه عدة أطراف من المكونات العراقية الأخرى! ”.
ورفض الحزب “الديمقراطي”، “طريقة الانتخاب” هذه، مضيفاً: “كما أننا لا نعتبر الشخص الذي يتم اختياره بهذه الطريقة ممثلاً للأغلبية الكردستانية ولن نتعامل معه”.
لهذه الأسباب، ذكّر الحزب بأن كتلته النيابية قاطعت الجلسة، و”كان يجب بعد المقاطعة سحب اسم مرشح حزبنا من عملية الانتخاب”، وهو نائب رئيس الوزراء وزير الخارجية فؤاد حسين.
ويبدو أن الحادثة كان لها الدور البارز في تعميق الأزمة الكردية ـ الكردية بين الغريمين التقليديين، “الديمقراطي” من جهة و”الاتحاد الوطني” من جهة ثانية.
ووفق الخبير في الشأن العراقي، الكاتب والصحافي فلاح المشعل، فإن “ما حدث يشكل خرقاً واضحاً لمبدأ التوافق الذي درجت عليه العملية السياسية منذ عام 2003، ويفتح الباب أمام توسيع حالة التنافر وعدم الانسجام داخل البيت الكردي، الذي يفترض أن تتفق أطرافه الفاعلة على مرشح موحد لرئاسة الجمهورية”.
وأوضح في تصريحات لمواقع إخبارية كردية مقربة من “الديمقراطي، أن “اللجوء إلى صفقات جانبية ذات طابع إقصائي لبعض الأطراف يمثّل تحولاً مقلقاً في إدارة هذا الاستحقاق، ويؤسس لمرحلة جديدة قائمة على تغليب المصالح الضيقة على حساب التفاهمات السياسية الجامعة”.
وأضاف أن “مسعود بارزاني، زعيم الحزب الديمقراطي، كان ولا يزال يمثل مركز ثقل سياسي في تحقيق التوازن داخل المشهد الكردي، فضلاً عن دوره في تقريب وجهات النظر بين القوى السياسية العراقية، وهو ما يجعل تجاوز هذا الدور خطوة محفوفة بالمخاطر”.
وبيّن أن “اختيار نزار آميدي دون تحقيق إجماع كردي، بالتزامن مع انسحاب قوى سياسية بارزة مثل ائتلاف دولة القانون وأطراف شيعية أخرى، إضافة إلى نواب الحزب الديمقراطي الكردستاني، يعكس حجم الانقسام ويؤشر إلى تشكل محاور صراعية جديدة داخل العملية السياسية”.
وأشار إلى أن “هذه التطورات لا تقتصر تداعياتها على البيت الكردي فحسب، بل تمتد إلى مجمل العلاقة بين المكونات العراقية، خصوصاً ما يتعلق بالتوازن العربي– الكردي الذي يعد أحد ركائز الاستقرار السياسي في البلاد”.
ولفت إلى أن “تكريس هذا النهج القائم على العزل والتقسيط السياسي للخصوم، يتعارض مع مبادئ العمل الديمقراطي، ويدفع باتجاه مزيد من التعقيد في المشهد، بدلاً من البحث عن حلول توافقية تعزز الاستقرار”.
واعتبر أن “تجاوز حزب محوري مثل الديمقراطي الكردستاني في هكذا استحقاقات، يمثل مغامرة سياسية قد لا تكون نتائجها محسوبة، في ظل تعقيدات المشهدين الإقليمي والدولي، وتأثيراتهما المباشرة على الداخل العراقي”.
وختم المشعل بالقول إن “المؤشرات الحالية توحي بأن العملية السياسية قد تتجه نحو مرحلة أكثر اضطراباً، إذا ما استمر هذا النهج في إدارة الملفات الكبرى، دون العودة إلى منطق التوافق والشراكة الحقيقية بين القوى السياسية”.
يتصدر محمد الحلبوسي، زعامة السنّة، سواء ضمن “المجلس السياسي الوطني”، الذي يضم القوى السياسية السنّية الفائزة بانتخابات 2025، أو خارجهوعلى المستوى السنّي، يتصدر رئيس تحالف “تقدّم”، رئيس البرلمان الأسبق، محمد الحلبوسي، زعامة السنّة، سواء ضمن “المجلس السياسي الوطني”، الذي يضم القوى السياسية السنّية الفائزة بانتخابات 2025، أو خارجه.
هذا التحالف مهدّد أيضاً بالتشظي، على غرار “الإطار التنسيقي” بسبب مقاطعة أبرز خصوم الحلبوسي، زعيم تحالف “العزم” مثنى السامرائي، فضلاً عن غياب تمثيل “صقور السنّة” عنه، منهم رئيس ائتلاف “متحدون” أسامة النجيفي، ورئيس حزب “الحل” جمال الكربولي، وغيرهم ممن لم يحققوا نتائج في الانتخابات الأخيرة.
ويؤكد القيادي في تحالف “العزم”، غانم العيفان، أن “غياب قوى فاعلة مثل الحزب الديمقراطي، والتيار الصدري، والسيد نوري المالكي، يؤثر بشكل كبير وملموس على توازن العملية السياسية واستقرارها”، مشيراً إلى دعم تحالفه “للمرشح الذي يقدمه الإطار التنسيقي” لتشكيل الحكومة، مؤكداً الرغبة في بناء “شراكة إيجابية” مع الحكومة المقبلة لضمان استقرار البلاد.
وأفاد بأن “تحالف العزم ملتزم بالشراكة والتحالف مع الحزب الديمقراطي الكردستاني برابطة متينة وعلاقة استثنائية تميزنا عن بقية القوى السياسية”، مبيناً أن التحالف قرر الذهاب مع خيار “الأغلبية الوطنية” وحضور جلسة انتخاب رئيس الجمهورية كاستحقاق دستوري.
وبين العيفان أن “ذهاب العزم لتمرير مرشح الاتحاد الوطني جاء نتيجة عدم تقارب الكفة رقمياً مع السيد فؤاد حسين”، مؤكداً أن “هذا التصويت لا يعني التنازل عن شراكتنا مع الديمقراطي الكردستاني، فنحن كنا ندفع باتجاه توحيد البيت الكردي ولم نسعَ يوماً للاستثمار في الخلافات البينية”.
يرى السياسي العراقي ليث شبّر أن العملية السياسية بدأت تفقد مبدأ الأغلبية على المستويين الشيعي والكردي بشكل خاصووسط الحراك السياسي المحتدم، يرى السياسي العراقي ليث شبّر أن العملية السياسية بدأت تفقد مبدأ الأغلبية على المستويين الشيعي والكردي بشكل خاص.
وذكر في “تدوينة” له أن “المعادلة السياسية الحالية فقدت سابقاً ممثل الأغلبية الشيعية المتمثل بالصدر وفقدت اليوم الأغلبية الكردية المتمثل ببارزاني”، متسائلاً: “هل ستبقى معادلة المحاصصة صامدة مع غياب الأغلبية للمكونين؟ ”.
وأشار إلى أن “وفق المعادلة الحالية المعطيات تشير إلى انتصار محور المقاومة الإطارية سياسياً، وانتصار الحلبوسي في استعادة زعامته على السنة مهيئاً الأجواء لإقليم سني”، فيما أوضح أن “الشيعة ككل هم الخاسر في هذه المعادلة على الرغم من انتصار الإطار”.
وأضاف: “معادلة المحاصصة متصدعة، فإما تنتحر بارتكاب الخطأ الأخير أو أن القوى تستبدلها بمعادلة أخرى من خلال تشكيل حكومة أكاديمية مستقلة برئيس وزراء وطني له خبرة في السياسة والاقتصاد والعلاقات الدولية”.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك