لندن- “القدس العربي”: قالت صحيفة “وول ستريت جورنال” إن النظام الإيراني تغير ولكن ليس كما تحب أمريكا وإسرائيل، فقد أدى الهجوم الأمريكي- الإسرائيلي إلى صعود التيار المتشدد في طهران.
وفي التقرير الذي أعدته مارغريتا ستانكاتي وبنيوا فوكون وحنة موسوي، قالوا إن صورة ظهرت في الساحة الكبرى بطهران والمعروفة باسم “ساحة انقلاب” يظهر فيها المرشد الجديد مجتبى خامنئي وهو يصدر تعليماته من خندق للحرس الثوري لإطلاق الصواريخ ضد الأعداء.
وأوحى النص المرفق بالصورة إلى أن المهمة موحى بها وتقارن خامنئي الابن، بالإمام علي.
يهيمن المتشددون على القيادة السياسية والعسكرية في إيران، مدفوعين بحرب يعتقد الكثير منهم أنها تنبئ بعودة المهدي المنتظر.
وأضافت الصحيفة أن الصورة هذه تمثل تجسيدا مرئيا لكابوس أمريكا وإسرائيل، وهو أن إيران أصبحت معسكرة يحكمها زعيم شاب متشدد، ويلعب فيها الحرس الثوري دورا مهيمنا.
وقالت الصحيفة إن الولايات المتحدة وإسرائيل شنتا الحرب على أمل أن يؤدي اغتيال كبار المسؤولين الإيرانيين، بدءا بأية الله علي خامنئني والد مجتبى، لتهيئة الظروف وتغيير النظام، أو على الأقل ظهور قادة أكثر استعدادا للتنازل لمصالح أمريكا وإسرائيل.
وفي خطاب للأمة بعد شهر من بدء الحرب، وصف الرئيس ترامب القيادة الجديدة بأنها “أكثر اعتدالا”.
مع أن الواقع في إيران يظهر أن الفراغ القيادي يتم ملؤه بقادة جدد متطرفين ليس لديهم أي اهتمام بالتسوية السياسية في الداخل أو الخارج.
ونقلت الصحيفة عن داني سيترينوفيتش، الذي كان يرأس سابقا قسم إيران في الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية قوله: “لقد غيرت الحرب النظام، ولكن ليس نحو الأفضل.
لقد خلقنا واقعا أسوأ مما كان يواجهه الإيرانيون قبل الحرب”.
ورغم زيادة نفوذ المتشددين في ظل المرشد الأعلى السابق آية الله خامنئي، إلا أنهم اليوم يهيمنون على القيادة السياسية والعسكرية في إيران، مدفوعين بحرب يعتقد الكثير منهم أنها تنبئ بعودة المهدي المنتظر.
ويقف في قلب هذه الدائرة مجتبى خامنئي، الذي اختاره رجال الدين بعد نجاته من الغارة الجوية التي أودت بحياة والده والعديد من أفراد أسرته.
ولم يظهر خامنئي علنا منذ تعيينه الشهر الماضي، مما أثار تكهنات بأنه أصيب بجروح بالغة قد تمنعه من المشاركة في إدارة شؤون البلاد اليومية.
وفي غيابه، تشبث القادة الذين يمثلون إيران بموقفهم في مواجهة حملة قصف مدمرة ألحقت أضرارا جسيمة بالقدرات العسكرية للبلاد ومنشآت الطاقة وبنيتها التحتية المدنية.
وقد استعرضوا قوتهم في الداخل ونشروا أنصارهم في الشوارع.
وبدلا من السعي إلى إنهاء سريع للصراع، شنوا هجمات متكررة على جيرانهم العرب، وأكدوا نفوذهم من خلال سيطرتهم الفعلية على مضيق هرمز.
كما ضم الوفد الإيراني الى إسلام آباد لحضور محادثات نهاية الأسبوع الفاشلة مع الولايات المتحدة رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، وهو محافظ براغماتي، بالإضافة إلى سياسيين مثل علي باقري كاني، المعروف بمعارضته الشديدة للحوار مع الغرب في الماضي.
وقالت الصحيفة إن عائلة خامنئي، كانت مستعدة لهذه اللحظة بتحالفها مع الحرس الثوري.
وحافظ مجتبى خامنئي، البالغ من العمر 56 عاما، على دور في الظل قبل إصابته.
رغم أنه كان شخصية محورية تربط المسؤولين المتشددين وترقيهم، وساهم في تشكيل التوجه السياسي لإيران.
وتدرج خامنئي في قلب السلطة السياسية والدينية لوالده.
انطلاقا من منصب غير رسمي في مكتب المرشد الأعلى، حيث عمل مع الحرس الثوري وقوات الباسيج وساهم في ترفيع الحلفاء في المؤسسة الأمنية والاستخباراتية الإيرانية.
ويعتمد خامنئي على شبكة من الحلفاء الموثوق بهم، يطلق عليها المحللون اسم “دائرة الحبيب”، والتي تنسب إلى حبيب بن مظاهر الفقعسي الأسدي الذي قاتل مع الإمام علي، وتضم هذه الدائرة العديد من قدامى المحاربين في الحرب مع العراق، الذين خدموا في “كتيبة الحبيب” التابعة للحرس الثوري، والمعروفة بجذبها للمتطرفين وكان من بين مجنديها خامنئي نفسه، عندما كان مراهقا وانضم إليها قبل نهاية الحرب بوقت قصير.
يعتمد خامنئي على شبكة من الحلفاء الموثوق بهم، يطلق عليها المحللون اسم “دائرة الحبيب”، والتي تضم العديد من قدامى المحاربين في الحرب مع العراق، الذين خدموا في “كتيبة الحبيب”وقد وصف مشروع قانون قدم إلى الكونغرس في تشرين الثاني/ نوفمبر “دائرة الحبيب” بأنها “إحدى أعلى شبكات الأمن والاستخبارات غير الرسمية التابعة للنظام، والتي ارتكبت انتهاكات لحقوق الإنسان وتورطت في أنشطة إرهابية”.
وقد أثبتت القيادة الجديدة مرونتها وقدرتها على التكيف، إذ خرجت من الأسابيع الخمسة الأولى للحرب بكامل قوتها القيادية وسيطرتها.
ويتجلى نهجها المتشدد في تعييناتها، ومنها تعيين محمد باقر ذو القدر، رئيس الأمن القومي الإيراني الجديد، وهو قائد سابق في الحرس الثوري.
وكان ذو القدر، قبل الثورة، قائدا لجماعة مسلحة قتلت مهندس بترول أمريكي.
كما شارك شخصيا في اغتيال شرطيين، وفقا لمذكرات نشرها في مجلة تاريخية إيرانية.
وتدرج في صفوف الحرس الثوري خلال حرب العراق.
وساهم لاحقا في تأسيس فيلق القدس، الذي تخصص في تدريب الميليشيات الأجنبية لمهاجمة أعداء إيران، بالإضافة إلى جماعة شبه عسكرية أخرى تخصصت في استخدام العنف ضد المعارضين السياسيين.
وكان متطرفا في مواقفه، لدرجة أن أحد مرؤوسيه، قاسم سليماني، قائد فيلق القدس الذي اغتالته الولايات المتحدة عام 2020، استقال مؤقتا احتجاجا، حسب ولي نصر، أستاذ شؤون الشرق الأوسط في كلية جونز هوبكنز للدراسات الدولية المتقدمة في واشنطن.
ويقول الوسطاء إن ذا القدر يتمتع بنفوذ كبير في المحادثات مع الولايات المتحدة، إذ يتلقى تقارير المفاوضين ويساعد في توجيه قراراتهم.
أما سلفه، علي لاريجاني، الذي قتل الشهر الماضي، فقد كان متشددا، ولكنه كان سياسيا محنكا درس أعمال الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط، وبنى سمعة طيبة كمفاوض براغماتي خلال المفاوضات النووية.
ويتهم القائد العام الجديد للحرس الثوري، أحمد وحيدي، بالمشاركة في تفجير مركز الجالية اليهودية في بوينس آيرس عام 1994، والذي أسفر عن مقتل 85 شخصا وإصابة المئات.
وقد أسس مدرسة تدريب للمسؤولين الحكوميين – مدرسة “شهيد بهشتي للحوكمة” في طهران، التي تخرج منها جيل جديد من القادة السياسيين في إيران تحت إشراف الحرس الثوري.
وبصفته وزيرا للداخلية، ساهم في الإشراف على قمع احتجاجات حقوق المرأة عام 2022، وقتل سلفه في اليوم الأول للحرب.
كما يتهم محسن رضائي، المستشار العسكري الجديد لخامنئي، بالمشاركة في هجوم بوينس آيرس.
وبصفته قائدا للحرس الثوري في ثمانينيات القرن الماضي، نفذ استراتيجية تهدف إلى الإطاحة بالرئيس العراقي صدام حسين، مما أدى إلى إطالة أمد حرب استنزاف كارثية، تقول الحكومة الأمريكية إنها تسببت في مقتل ما لا يقل عن 250,000 شخص.
وقد عبر رضائي قبل فترة عن موقف مماثل بشأن الصراع المستمر، حيث قال في تصريحات متلفزة: “ستستمر المواجهة حتى يتم استيفاء عدة شروط” ومن بينها رفع العقوبات وتعويض إيران عن الأضرار الناجمة عن الحرب.
وقال سعيد غولكار، الخبير في شؤون الأمن الإيراني بجامعة تينيسي في تشاتانوغا: “تتولى المجموعة الأكثر تطرفا في الحرس الثوري زمام الأمور، مما يزيد من احتمالية إطالة أمد الصراع”.
وتشير الصحيفة إلى أن صعود مجتبى خامنئي والدائرة المحيطة بهم، بدأ في عالم السياسة قبل ربع قرن كرد فعل على الشعبية المتزايدة للسياسيين الإصلاحيين الذين دعوا إلى التغيير من الداخل.
وقد كشف خامنئي عن نواياه السياسية لأول مرة عام 2002، عندما اختار شخصية محافظة متشددة لقيادة جهاز الدعاية الحكومية الإيراني ذي النفوذ، والذي يسيطر على المراكز الثقافية ووسائل الإعلام، وفقا لمذكرات الرئيس الإيراني الراحل أكبر هاشمي رفسنجاني.
وبعد بضع سنوات، دبر خامنئي وحاشيته انتصارات متتالية للرئيس المتشدد محمود أحمدي نجاد، حسب ما قاله السياسي الإصلاحي البارز مهدي كروبي الذي ترشح وخسر أمام نجاد مرتين.
بعد أن كانت المهدية تعتبر فكرة هامشية، أصبحت تدريجيا محورا أساسيا في أيديولوجية الجمهورية الإسلامية بفضل عائلة خامنئي ودائرتها المقربةوقد كانت تلك لحظة حاسمة في إيران، إذ حولت مسار البلاد بعيدا عن السياسيين الإصلاحيين ذوي الشعبية، ووضعتها بثبات على طريق أكثر محافظة.
كما أشعلت شرارة واحدة من أكبر موجات الاحتجاجات التي هزت البلاد بين الحين والآخر.
ففي حزيران/يونيو 2009، خرج المتظاهرون غاضبين من مزاعم تزوير الانتخابات، وهتفوا: “مُت يا مجتبى، عسى ألا تصل إلى السلطة أبدا”.
وبعد حرب العراق، أمضى خامنئي بعض الوقت في مدينة قم، حيث تلقى التوجيه من آية الله محمد تقي مصباح يزدي، رجل الدين المتشدد الذي يعتبر الأب الروحي للمتشددين في إيران.
وقد روج يزدي، الذي زعم أن طاعة المرشد الأعلى تضاهي طاعة الله، لنسخة حديثة من عقيدة مسيانية قديمة تعرف بالمهدوية.
وتدرس هذه الأيديولوجية في الحوزات الدينية الإيرانية وخلال التدريب شبه العسكري، وتروج لفكرة أن بناء مجتمع إسلامي حقيقي وتدمير أعداء إيران، وعلى رأسهم إسرائيل، سيعجل بعودة الإمام المهدي المنتظر.
وقد ناشد حسين يكتا، القائد البارز في الحرس الثوري والمقرب من خامنئي، الأمهات مؤخرا عبر التلفزيون الرسمي إرسال أبنائهن إلى الحرب باسم المهدي.
وبعد أن كانت المهدية تعتبر فكرة هامشية، أصبحت تدريجيا محورا أساسيا في أيديولوجية الجمهورية الإسلامية بفضل عائلة خامنئي ودائرتها المقربة، كما أصبحت عنصرا رئيسيا في تلقين الحرس الثوري.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك