شاهدت جدالا" سخيف" على إحدى الفضائيات العربية بين شيخين عندما سألتهما المذيعة اللبنانية: هل يجوز إقامة عزاء لغير المسلمين بالمساجد، والعكس صحيح، فأباحها شيخ وأنكرها الثاني!أنا أرى الأمر من باب البر وحسن الجوار لشركاء الوطن، فالعبرة ليست بالمكان.
وقد رأيت صديقي الأنبا يوحنا قلتة نائب البطريرك الكاثوليكي -والحاصل على الدكتوراه في الدراسات الإسلامية- يفتح كنيسته في شبرا أمام المسلمين لإقامة أفراحهم وعزاء أمواتهم، كنوع من التكافل الاجتماعي وتوفير النفقات لأبناء هذا الحي الشعبي!ومن حوالي عشر سنوات شهدت موقفا مماثلا عندما توفيت الفنانة فيروز شقيقة الفنانة نيللي، وأقيمت لها مراسم العزاء بمسجد الحامدية الشاذلية، وأثار ذلك جدلا دينيا واسعا لأن الراحلة مسيحية، لكن علماء الإسلام حسموا ذلك الجدل بالاباحة.
تعالوا نسترجع تفاصيل هذا الحدث الذي قد لا يتكرر كثيرا؛ لكنه يرمز للاخاء الديني والاستنارة:ولدت فيروز في 15 مارس عام 1943 وتعتبر من أشهر الأطفال في تاريخ السينما المصرية، كما لقبت بمعجزة السينما، وهي الشقيقة الكبرى للفنانة نيللي، وابنة عم الفنانة لبلبة.
اسمها الحقيقي هو بيروز أرتين كالفايان، وهي من مواليد مدينة القاهرة وهي من أسرة مصرية، ولكن تعود أصولها إلى أرمينيا، وتحمل الديانة المسيحية، اكتشفها صديق والدها الفنان السوري إلياس مؤدب، لأنه كان يعزف في إحدى الأمسيات بمنزلهم وكانت هي ترقص على الموسيقى التي عزفها إلياس.
وقد لفتت انتباهه بخفتها وطريقتها، فقام بتأليف مونولوج لها لكي تغنيه وحدها وقد اصطحبها معه إلى إحدى الحفلات التي يقدمها وقدمت المونولوج، ولاقت إعجاب الجميع، فقرر أن يلحقها ببرنامج المواهب والذي يقام في ملهى الأوبيرج الليلي.
وحققت نجاحًا كبيرا وتهافت المنتجون والسينمائيون عليها فاختارها الفنان أنور وجدي الذي أعجب بمواهبها الغنائية والتمثيلية والاستعراضية.
وانتقى لها اسم فيروز، وأشركها في كل الأفلام التي أنتجها وأخرجها ومثل فيها.
فكان لها دور في النجاح الذي حققه وجدي في تلك الأفلام، وشهد عام 1953 انفصال الصغيرة فيروز عن وجدي بناء على قرار والدها، الذي أراد أن ينهي عقد الاحتكار مع وجدي، وقرر أن يقوم هو بإنتاج أفلامها.
فأنتج لها فيلم الحرمان الذي ظهرت فيه إلى جانب شقيقتيها الفنانة الاستعراضية نيللي وشقيقة ثالثة لهما هي ميرفت.
بعد فيلم الحرمان توقفت فيروز عن العمل لمدة ثلاث سنوات ثم عادت مرة أخرى وشاركت في فيلم أيامي السعيدة عام 1958، وكان عمرها آنذاك خمسة عشرة عاما مما أدى إلى تغيّر شكلها ونوعية أدوارها، وهو تغير كان من الصعب أن يتقبله الجمهور الذي اعتاد على الطفلة الصغيرة، وكان من الصعب إقناعه بأداء فيروز الشابة.
لذا قررت الاعتزال في مرحلة الشباب ليحتفظ الجمهور بصورة الطفلة المعجزة، في أثناء عملها في فرقة إسماعيل ياسين تعرفت فيروز على الفنان بدر الدين جمجوم، وكان زواجهما مثال في التسامح الدينى بين الأزواج، وكيف أنه يمكن لزوج مسلم أن يعيش في حب وسلام مع زوجة مسيحية، حيث عاش بدرالدين جمجوم وفيروز 30 عاما، وهى على دينها دون أن يطلب منها اعتناق الإسلام وتركها تمارس عقائدها الدينية على حريتها.
كان جمجوم يصطحبها للكنيسة لأداء الصلوات وطقوس العبادة، وكانت فيروز تذهب أيضا مع زوجها إلى السيدة زينب والحسين لتقرأ الفاتحة معه، وفكانا زوجين غاية في الحب والتفاهم، وهى أم لابن يدعى أيمن وابنة تدعى إيمان.
وقبل رحيلها أوصت فيروز بدفن جثمانها وأداء صلاة الجنازة بكنيسة الأرمن الأرثوذكس بأرض الجولف، وكان لها ما تمنت لكن لم تتخيل للحظة واحدة أن تفتح لها بيوت الرحمن، ويقام لها عزاء فى كنيسة وآخر بمسجد، وفي يوم السبت الموافق 30 من شهر يناير عام 2016 توفيت فيروز بأحد المستشفيات الخاصة بالمهندسين عن عمر يناهز 72 عاما بعد صراع مع مرض الكبد.
ولكن المثير أن أبنائها أصروا على استقبال عزائها في مسجد الحامدية الشاذلية، رغم انتمائها للديانة المسيحية، وقد أثار هذا الأمر جدلا واسعًا بسبب أنها أول فنانة مسيحية يقام لها عزاء في المسجد مثل المسلمين، ولكن علماء الدين حسموا هذا الجدل، وتم تبرير الأمر أن أبناءها مسلمين.
من جهته أكد الدكتور أحمد كريمة أستاذ الفقه المقارن بجامعة الأزهر أن تلقي العزاء لغير المسلمين في مساجد المسلمين جائز شرعا، طالما أن أهل المتوفاة أو المتوفى من المسلمين، بينما لا يجوز دفنهم في مقابر المسلمين.
وأضاف أن أبناء الفنانة الراحلة مسلمون وتأدية واجب العزاء ستكون لهم وليس لغيرهم، بالتالي يجوز شرعا أن تقام مراسم العزاء في المسجد بشرط ألا تمارس طقوس المسلمين فيه مثل قراءة القرآن أو الذكر أو الترحم.
وقال الدكتور محمد نجيب عوضين أستاذ الشريعة الإسلامية والأمين العام السابق لمجمع البحوث الإسلامية، إن الإسلام دين يسر وسماحة ويجيز إقامة مراسم عزاء للمتوفاة في مساجد المسلمين طالما أن أبناء الفنانة الراحلة مسلمون وزوجها كذلك وعائلة زوجها كذلك، لكن يجوز لأهلها وأقاربها ممن هم على الديانة المسيحية إقامة عزاء آخر لهم بالكنيسة ووفق طقوسهم، أوصت الفنانة الراحلة فيروز بأداء صلاة الجنازة عليها بكنيسة الأرمن الأرثوذكس بأرض الجولف.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك