أول مرة رأيت فيها د.
مصطفى الزائدي كانت يوم 26 ديسمبر 1978 في مسرح مدرسة شهداء يناير الثانوية بمدينة بنغازي، في مهرجان ثقافي أقيم إحياءً لذكرى وفاة الشاعر المرحوم علي الرقيعي.
آنذاك، كنت ضيفًا مدعوًا للمشاركة في المهرجان بصفتي كاتب قصة قصيرة، وكان عمري 25 عامًا.
وحضور الزائدي كان بدافع القبض والاعتقال.
سببان يقفان وراء عدم نسياني ذلك التاريخ.
الأول كان التاريخ يصادف ذكرى عيد ميلادي الخامس والعشرين.
والثاني لأنه يوثق لتاريخ يوم اعتقالي ودخولي السجن صحبة عدد من أصدقائي ورفاقي من الكُتَّاب الشباب.
المرة الثانية التي رأيته فيها كانت بعد عدة شهور من اللقاء الأول، في جلسة محكمة، في مجمع المحاكم بقصر بن غشير في طرابلس.
كنت أنا وزملائي ورفاقي من الكتاب نجلس في قفص الاتهام.
وكان د.
الزائدي وأحمد إبراهيم حاضرين كشاهدي إثبات ضدنا وكانا مرفوقين بأتباعهما.
د.
مصطفى الزائدي يعرف الواقعتين جيدًا حق المعرفة ويتذكرهما لكنه لو سئل عنهما الآن لما تردد في الإتيان بعجيب التفاسير والمبررات إن لم ينكر حدوثهما، متجاهلا أن صالة مسرح مدرسة شهداء يناير ذلك اليوم كانت مزدحمة بالشهود، كما أن الحدث كان موثقا تلفزيونيا.
الوثيقة المسجلة ما تزال موجودة.
أضف إلى ذلك أن عديدين ممن كانوا ضحايا في ذلك اليوم أو كانوا شهودا نشروا شهاداتهم عما حدث من أعمال عنف ضدنا في ذلك المساء الشتائي، وما يزالون أحياء.
شهادته التي أدلى بها مؤخرا عما حدث في السابع من أبريل العام 1976 وإنكاره حدوث أعمال عنف وإصابات ضد الطلبة الوطنيين في الجامعتين (طرابلس وبنغازي) خير برهان وأفضل دليل على صحة ما ذكرت أعلاه، قصد منها تبرئة نفسه مما حدث.
والشهادة في رأيي مجروحة، ولا تختلف، عن حكاية السارق الذي طلبوا منه القسم على براءته في حادثة سرقة، ففرح وقال في نفسه: «جاك الفرج».
وهذا حال د.
الزائدي حين طلبوا شهادته عن 7 أبريل 1976 ففرح وقال متوهما جاك الفرج.
لن أتطرق في هذه السطور إلى ما حدث في جامعة بنغازي في أبريل 1976 لأني لم أكن طالبًا بها وقتذاك ولم أكن حاضرًا للحدث، وكذلك لعلمي بأن كثيرين غيري ممن كانوا شهودًا قد تطوعوا ووثقوا شهاداتهم بنشرها في الإنترنت أو في وسائل الإعلام الأخرى.
أما فيما يخص ما حدث في جامعة طرابلس ذلك اليوم المشؤوم في تاريخ الحركة الطلابية الوطنية الليبية (7 أبريل 1976) فالأمر مختلف.
حيث كنت حاضرا ومشاركا في الحدث، وغاب عن حضوره والمشاركة في أحداثة د.
مصطفى الزائدي.
وبالتالي تكتسب شهادتي مصداقية تفتقدها شهادته.
في نهاية اليوم، كنت مع عشرات غيري أرقد على الأرض مع مصابين غيري في مستوصف الجامعة، حيث أخرجنا من المستوصف مساء في طابور من الجنسين، ونقلنا بحافلة إلى مركز الأوسط وراء قصر الملك.
في المركز أخذنا نحن الشباب إلى عنبر كبير، وأخذت الطالبات إلى مكان آخر في نفس المركز.
تجاوز عددنا 100 طالب وطالبة.
بقينا هناك قرابة شهر.
وفي نهايته جرى الإفراج عنا بعد أن وقعنا على تعهدات كتابية لضباط المباحث بعدم الذهاب إلى مقر الجامعة، لأن قرارًا بطرد أغلبنا من الدراسة قد صدر أثناء وجودنا بالاعتقال.
حرمنا من مواصلة الدراسة كما حظرنا من السفر للخارج.
في يوم 7 أبريل من العام التالي العام 1977 وكان يصادف الذكرى الأولى للأحداث، استدعيت قبله بيوم إلى مقر جهاز المباحث العامة قرب جامع مولاي محمد، وأمرت بعدم مغادرة البيت لمدة أسبوعين.
أمر الاعتقال المنزلي طال كل من أعرفهم من زملائي المطرودين من الجامعة في طرابلس.
إنكار د.
الزائدي ونفيه حدوث ارتكاب أعمال عنف ضد الطلبة في السابع من أبريل لن يغير حقيقة ما حدث ولن يغير التاريخ وفي الوقت ذاته لن ينجيه مستقبلا من المثول أمام القضاء ونيل ما يستحق من عقاب.
وهو أيضا إنكار ليس بالمستغرب.
العقيد معمر القذافي أنكر دور الحركة السنوسية في قيادة الجهاد الليبي ضد المستعمر الإيطالي، وسعى إلى محو كل ما له صلة بتاريخ الحركة في ليبيا من كتب التاريخ، معتبرا أن تاريخ ليبيا (الحقيقي! ! ) يبدأ منذ الأول من سبتمبر 1969.
انتهى معمر القذافي ونظامه في زبالة التاريخ غير مأسوف عليهما، واستردت الحركة السنوسية دورها وحقها التاريخيين.
سيرة د.
مصطفى الزائدي لا تخفى على أحد؛ إذ من المعروف عنه أنه كان على رأس قيادات جناح الصقور في النظام السابق.
وحظي بسجل جنائي موثق في ألمانيا قبل الوحدة بسبب ما ارتكبه من تعذيب ضد طلبة ليبيين في مقر سفارتنا في بون.
لهذه الأسباب ولغيرها هرب إلى الخارج بعد سقوط النظام العسكري.
ولهذه الأسباب ولغيرها أيضا لا يريد العودة إلى ليبيا كما عاد عديدون من رجال ونساء النظام العسكري السابق، لأنه يعلم ويدرك أن ضحاياه ما زالوا أحياء، وفي انتظار أن ينصفهم القضاء مما ارتكبه نحوهم من جرائم.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك