قلت عشرات المرات إن قروض صندوق النقد الدولي" مسيسة"، أي تخضع لاعتبارات سياسية، و" مسمومة" بسبب شروطها المجحفة والخبيثة بحق الأمن القومي للدول والمواطن، وذلك في آن واحد، فعندما تحدث حالة رضا سياسي من البيت الأبيض والدول الغربية عن حكومات الدول المقترضة يتم فتح الخزائن ومليارات الصندوق أمامها، وتسارع المؤسسات المالية الدولية والجهات المانحة ووكالات التصنيف إلى إصدار تقارير إيجابية تتحدث فيه عن الاقتصاد الواعد لتلك الدولة، وقدرتها على تخطي الصعاب المالية، وردم الفجوات التمويلية، وتحقيق معدلات نمو اقتصادي غير مسبوقة، وقدرتها الضخمة على مواجهة الصدمات الخارجية.
ببساطة يتم" تبييض" صفحة تلك الدولة، سواء من الناحية المالية والاقتصادية بل السياسية، ونفي أي احتمالات تعثر عنها، والعكس، عندما يحدث غضب من الولايات المتحدة ومن يقف معها على سياسات الدول المقترضة، فإن صندوق النقد يمسك بأمواله، ويسارع إلى إصدار تقارير متشائمة وسوداوية عن اقتصادات الدول الراغبة في الاقتراض والحصول على المنح والمساعدات المالية، وتتم إهالة التراب على الوضع المالي للدولة، وزيادة جرعة الأخبار السلبية التي تتحدث عن أنها أقرب إلى التعثر المالي، بل ويتم الإيعاز إلى الممولين مثل المؤسسات المالية الدولية والجهات المانحة كالاتحاد الأوروبي والصناديق وغيرها بوقف تقديم أي دعم مالي لتلك الدولة المغضوب عليها من قبل كبار مساهمي صندوق النقد.
في اليوم الذي انطلقت فيه بواشنطن أولى محادثات مباشرة بين إسرائيل ولبنان منذ عقود، كان صندوق النقد يبلغ حكومة بيروت عزمه تقديم دعم مالي سريع بقيمة مليار دولارأحدث مثال على ذلك هو ما جرى أمس الثلاثاء، ففي اليوم الذي انطلقت فيه بالعاصمة واشنطن أولى محادثات مباشرة رفيعة المستوى بين إسرائيل ولبنان منذ أربعة عقود وبمباركة السلطة في بيروت وتل أبيب وبرعاية أميركية، كان الصندوق يبلغ حكومة لبنان عزمه تقديم دعم مالي سريع بقيمة مليار دولار لمساعدة الاقتصاد اللبناني على استيعاب تداعيات حرب الشرق الأوسط، ودعم الموازنة اللبنانية التي تعاني عجزاً حادّاً، وتمويل مشروعات الاستجابة الإنسانية.
واللافت هنا أن دعم لبنان سيتم عبر إجراءات استثنائية وأداة يمتلكها صندوق النقد تُعرف باسم" أداة التمويل السريع"، وتُستخدم لدعم الدول التي تواجه احتياجات عاجلة في مراكزها المالية والميزانية العامة وميزان المدفوعات، غير أن لبنان لا يمكنه الحصول على هذا النوع من التمويل، بسبب تعثره في سداد الديون الخارجية المستحقة عليه منذ سبع سنوات.
لم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل فتح البنك الدولي أبوابه المالية أيضاً أمام لبنان، حيث من المقرر أن توقع حكومة بيروت اتفاقاً تمويلياً مع البنك غدا الخميس، لدعم الأسر الأكثر احتياجاً ضمن برنامج" أمان" التابع للحكومة، بقيمة 200 مليون دولار.
صاحب تلك التطورات المتسارعة دخول الوفد اللبناني برئاسة وزير المالية ياسين جابر المشارك في اجتماعات الربيع لصندوق النقد والبنك الدوليين بواشنطن، في سلسلة لقاءات مع كبار المسؤولين الماليين والمديرين التنفيذيين لدى الصندوق، لبحث دعم لبنان في المرحلة الراهنة، وكيفية مساعدتها مالياً على تجاوز التبعات التي سبّبتها الحرب على إيران، إلى جانب دعم ما يتعلق ببرامج الحماية الاجتماعية.
هذا موقف لافت لأي محلل، لأنه عودة إلى الوراء نجد أن صندوق النقد ظل يناكف لبنان منذ سنوات طويلة وتحديداً عقب أزمة 2019 المالية التي بدأت بتوقف الدولة عن سداد ديون خارجية بقيمة 30 مليار دولار، ووضع المصارف اللبنانية يدها على أموال المودعين، وفشل الحكومة في الاستدانة الخارجية، وتهاوي قيمة العملة المحلية الليرة التي فقدت نحو 90% من قيمتها مقابل الدولار.
ومنذ ذلك الوقت والصندوق يرفض منح لبنان أي قروض أو مساعدات، بل يرفض الدخول معها في مفاوضات مباشرة وجدية واضعاً شروطاً صعبة ومعقدة، منها ما هو ظاهر ويتعلق بضرورة وضع خطط للاصلاح الاقتصادي والتعاطي مع الخسائر الفادحة في النظام المالي، والتي تقدر بأكثر من 70 مليار دولار، وهيكلة أموال المودعين المحتجزة لدى البنوك، وإصلاح الموازنة المتهالكة وغيرها، ومنها ما هو باطن ويتعلق بالعلاقة بين لبنان ودولة الاحتلال وملف التطبيع وتعاطي الدولة اللبنانية مع سلاح حزب الله، وحجة الصندوق جاهزة وهي أن لبنان غير مؤهل للحصول على قروض أو منح ومساعدات، وأن الإصلاحات الاقتصادية به غير كافية لمساعدته على انتشال البلاد من أزمتها الاقتصادية، وأنه يتعين بذل المزيد من الجهود إذا أراد تخفيف أزمته المالية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك