على مدار ما يقرب من قرن من الزمان، سعت الجماعات الدينية إلى تقديم نفسها باعتبارها مشروعاً يجمع بين الدعوة والعمل الاجتماعي، إلا أن تجربة الحكم التي خاضتها جماعة «الإخوان» في عهد الرئيس المخلوع محمد مرسي، شكّلت لحظة فارقة، أظهرت فجوة واضحة بين الخطاب المعلن والممارسة الفعلية، قبل أن تنتهي هذه المرحلة برفض شعبي واسع، تجسّد في ثورة 30 يونيو، وما أعقبها من تحول جذري في المشهد السياسي.
ترصد «الوطن»، في هذا التقرير، استناداً إلى روايات عدد من المنشقين عن جماعة «الإخوان»، خلال حديثهم، تجاربهم منذ لحظة الانضمام بدوافع مختلفة، مروراً بمسارات التدرّج داخل التنظيم، وصولاً إلى محطات المراجعة والانفصال.
في هذا السياق، قال المحامي مختار نوح، القيادي المنشق عن الجماعة الإرهابية لـ«الوطن»: إن رحلته داخل الجماعة لم تبدأ كغيره من أبناء جيله، لأنه لم ينضم خلال سنوات الجامعة، بل بعد التخرّج بسنوات، حين كان يبحث عن إطار سياسي يحقّق طموحاته في العدالة الاجتماعية، متأثراً في ذلك الوقت بأفكار الحقبة الناصرية، وما حملته من شعارات إنصاف الفقراء ومواجهة الفساد، إلا أن لحظة لقائه مع المرشد السابق للجماعة، عمر التلمساني، كانت نقطة فاصلة، حيث وجد في حديثه ووعوده ما اعتبره آنذاك مدخلاً لتحقيق أحلامه، وهو ما دفعه إلى اتخاذ قرار بالانضمام والانخراط في العمل التنظيمي.
وأكد «نوح» أن تجربته داخل الجماعة، ومع التدرّج في مواقعها المختلفة، كشفت له واقعاً مغايراً تماماً لما كان يتصوره.
وأوضح أن ما يُعرف بـ«التنظيم الخاص»، وهو الذراع المسلحة داخل الجماعة، كان يمثل البنية الحقيقية التي تتحكم في مفاصل الجماعة، بينما يظهر التنظيم العلني كواجهة فقط، مشيراً إلى أن هذا الكيان السري كان مسئولاً عن اختيار القيادات، ورسم السياسات، والتأثير في القرارات الكبرى، والسعي للتمكين داخل مؤسسات الدولة بشكل منظم، كما أن الازدواجية بين ما يُعلن وما يُمارس، تسبّبت في حالة من التضليل داخل الصفوف، حيث لا يعلم كثير من الأعضاء طبيعة ما يجري داخل الدوائر المغلقة، معتبراً أن هذه الصدمة كانت بداية مراجعاته الفكرية.
وأشار القيادي السابق في جماعة «الإخوان» إلى أن أخطر ما واجهه خلال تجربته، هو اكتشاف اعتماد التنظيم على العنف كأداة ضمن استراتيجيته، موضّحاً أن هذا التوجّه لم يكن طارئاً، بل مرتبط بجذور فكرية تأثرت بأدبيات سيد قطب، التي رسخت مفاهيم مثل «جاهلية المجتمع»، مما أدى إلى خلق حالة من الانفصال بين أعضاء الجماعة ومجتمعهم، كما أن هذه الأفكار لم تبقَ في إطار نظري، بل انعكست على الممارسات، حيث أصبح العنف خياراً مطروحاً في لحظات معينة، وهو ما اعتبره خروجاً واضحاً عن القيم التي التحق من أجلها في البداية، موضحاً أن تصاعد التناقض بين الشعارات الأخلاقية والممارسات الفعلية، إلى جانب ما شهده من صراعات داخلية، وغياب للشفافية، دفعه إلى إعادة تقييم تجربته بالكامل، خصوصاً بعد مروره بتجربة السجن التي منحته مساحة أوسع للتفكير والمراجعة، مؤكداً أن هذه المرحلة كانت حاسمة في اتخاذ قراره النهائي بمغادرة الجماعة، رغم تبعاته الشخصية والمهنية.
في شهادة أخرى، يروي إبراهيم ربيع، القيادي المنشق عن الجماعة «الإرهابية»، تجربته داخل التنظيم، موضحاً أنه انخرط منذ أواخر السبعينات، عبر مسار تدريجي، بدأ بحلقات دعوية محدودة، ثم تطور تدريجياً إلى التزام تنظيمي كامل، قائم على الانضباط الصارم، والعمل داخل إطار سري شديد التنظيم، مشيراً إلى أن الجماعة ركزت بشكل واضح على استقطاب طلاب الجامعات، باعتبارهم الشريحة الأكثر قابلية للتأثير والانتشار داخل المجتمع، إلى جانب السعي لترسيخ وجودها داخل الطبقة الوسطى، باعتبارها البيئة الأكثر قدرة على دعم أي مشروع سياسي ممتد.
وأوضح «ربيع» أنه بدأ في إعادة تقييم تجربته داخل التنظيم، بعدما لاحظ تضييقاً متزايداً على حرية التفكير والتعبير، مقابل تعزيز آليات السيطرة الداخلية عبر توسيع نطاق المحظورات وإنتاج بيئة نفسية قائمة على الشعور المستمر بالذنب والرقابة الذاتية، وهو ما جعله يعتبر أن بناء الجماعة لا يقوم فقط على التنظيم، بل على إعادة تشكيل وعي الأفراد وسلوكهم بشكل تدريجي وممنهج.
وتابع: «هذا واقع قاده إلى حالة من التباين الحاد مع قيادات التنظيم، تحولت لاحقاً إلى صدام مباشر انتهى بقرار الانفصال الكامل، مُختتماً شهادته بالتأكيد على أن خروجه لم يكن مجرد مغادرة تنظيم، بل كان انتقالاً من مرحلة فكرية إلى أخرى، وعودة إلى الذات والهوية خارج الإطار التنظيمي، قائلاً: «تركت الإخوان لأعود إلى ديني، إلى وطني، إلى ذاتي».
في السياق ذاته، يرى الكاتب والباحث سامح فايز، والمنشق عن الجماعة، أن أحد أبرز ملامح بنية الجماعة يتمثّل في قدرتها على إعادة التموضع بعد كل ضربة تتعرّض لها، ليس فقط عبر إعادة تنظيم الصفوف، بل من خلال إعادة إنتاج خطابها بما يتلاءم مع المرحلة، فبينما تُقدّم نفسها في أوقات الانفتاح كحركة إصلاحية ذات طابع اجتماعي، تعود في أوقات الصدام إلى خطاب أكثر حدة يُبرر المواجهة ويعيد تأويلها دينياً.
وأشار «فايز» إلى أن هذه المرونة الظاهرية التي تحاول الجماعة ترويجها تُخفي ثباتاً في الأهداف، حيث تظل فكرة «التمكين» حاضرة كغاية نهائية، حتى مع تغيّر الوسائل، لافتاً إلى أن الجماعة استفادت تاريخياً من التحولات السياسية لإعادة بناء شبكاتها، إلا أن ما بعد عام 2013 شكّل نقطة فاصلة، بعدما فقدت أدواتها التقليدية قدرتها على استعادة النفوذ.
وأكد أن توظيف الدين في المجال السياسي تسبّب في حالة من «الالتباس الفكري» لدى قطاعات عريضة من المجتمع، حيث تداخل الديني بالتنظيمي، وهو ما منح الجماعة تأثيراً يفوق حجمها الحقيقي لفترات طويلة، قبل أن تتآكل هذه الثقة تدريجياً نتيجة التناقض بين الخطاب والممارسة، كما أن مستقبل الجماعة سيظل مرهوناً بقدرتها على إجراء مراجعات جذرية تتجاوز الحسابات التنظيمية الضيقة، وهو ما لم تظهر مؤشراته حتى الآن، مما يجعلها تدور في دائرة أزمات متكرّرة دون أفق واضح للحل.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك