في ظل الأحداث والأزمات التي تعيشها المنطقة حاليًّا وسابقًا، برز الدور الحقيقي لدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية ليس فقط سياسيًّا، بل لوجستيًّا هذه المرة وبامتياز، وهذه المرة لابد أن ينطلق هذا المجلس بقوة لتحقيق التكامل والتجانس ليكون آمنًا على وضعه السياسي والأمني والاقتصادي من خلال رؤية وقرار سريع للاستفادة أولًا من الإمكانيات والموارد التي يملكها ومن ثم الموقع الاستراتيجي وتسخير الإمكانيات المالية والاستثمارية الخليجية، عبر منظومة متجانسة ومتكاملة من الدعم اللوجستي الذي أصبح عنصرًا مهمًّا في مواجهة الأزمات التي تمر على هذه الدول بين فينة وأخرى.
واليوم ومع تصاعد الحرب في المنطقة والتوترات الإقليمية المستمرة، وتأثر سلاسل الإمداد العالمية من النفط والغاز، وتأثر دول مجلس التعاون الخليجي من سلاسل الإمداد الغذائي والمستلزمات الضرورية للشعوب والمقيمين، فقد لعبت كل من سلطنة عمان والمملكة العربية السعودية دورًا في تأمين تدفق السلع والطاقة، مستفيدتين من موقعهما الجغرافي الاستراتيجي، ومن هنا يتحتّم على دول المجلس العمل على إيجاد منافذ وخطوط إمداد تربط هذه الدول بميناء الدقم أو صلالة في سلطنة عمان وكذلك بميناء جدة في المملكة العربية السعودية، لننهي أية أزمة متكررة تحدث نتيجة الحروب وإغلاق مضيق هرمز أو باب المندب.
لذا من الضروري أن تكون القمة الخليجية القادمة، قمة قرارات وإنجازات تسطر وتعتمد قراراتها بالتفاعل مع الواقع ومتطلباته المستقبلية، فيكفي ما حدث وما يحدث من حولنا، رغم ما نملكه من إمكانيات وقدرات وأموال واستثمارات تجعلنا منظمة قوية في كل المجالات وأكثر قوة وتماسكًا من الآسيان ولا تقل عن بريكس.
فالولايات المتحدة الأميركية تتجه لإعادة رسم موقعها على الخارطة في الشرق الأوسط حسب مصالحها، والدولة العميقة في أميركا رسمت خريطة للعالم الجديد، والمنظمات القوية اقتصاديًّا وماليًّا والمكتفية غذائيًّا وأمنيًّا سيكون لها شأن واحترام، ومن هنا فإن الأمر يتطلب من دول مجلس التعاون الخليجي إعادة النظر في سياساتها، والتركيز على التكامل فيما بينها وتحقيق الاكتفاء الذاتي بينها، وتعزيز وتقوية الجيش الخليجي وربط الموانئ والمطارات والإسراع في القطار الخليجي المشترك، ورفع كفاءة الأيدي العاملة وترسيخ قوة الموقع الاستراتيجي واللوجستي والتركيز على بناء المصانع الكبيرة والعملاقة الضرورية في دولنا ومنها يتم التصدير والاستفادة منها داخليًّا.
القوى الغربية لا تهمها إلا مصالحها، وما تعرضت له دول مجلس التعاون الخليجي من اعتداء سافر خلال هذه الحرب، يجعلنا لا نفكر، بل نقرر بأن تكون لدينا هيئة خليجية مشتركة للأمن الغذائي والأمن العسكري، وتتوحد من خلالها المصالح والرؤى في قالب واحد لخدمة شعوبنا الخليجية، والأرباح والشركات مناصفة والكل مستفيد، مع العمل على تطوير وتحسين واستغلال الأراضي الزراعية في الخليج، وتقديم التقنيات الحديثة، وأن تكون لدينا القوة والقدرة على الدفاع عن التراب الخليجي.
ومن هنا ربط النفط والغاز بالموانئ العمانية والسعودية ضرورة حتمية، وربط شبكة النقل والقطارات من دولة الكويت إلى صلالة، وتنويع الشراكات والاستثمارات الاستراتيجية الكبرى مثل ما عملت الكويت وعمان في مصفاة الدقم، فالطاقة ومحطات التحلية والطاقة البديلة وتصنيع السيارات والأسلحة والأدوية والإنتاج الزراعي وغيرها أصبحت ضرورة حتمية لدول مجلس التعاون الخليجي.
ففي خضم هذه التحولات الجيوسياسية التي تعصف بالمنطقة والعالم، فإن دولنا الخليجية عليها الإسراع بتبني رؤية اقتصادية وأمنية جديدة وطموحة تتقاطع مع مستهدفات كل رؤية خليجية، بهدف الاستفادة من الموقعين الجغرافيين العماني والسعودي اللذين هما خطا الربط بكل قارات العالم.
فكم خسرت دول الخليج من مبالغ ومداخيل جراء الحرب الحالية والحروب السابقة، ومن المستفيد من عدم استثمار مواقعنا الاستراتيجية؟ وكم تأثرت وخسرت بعض الدول جراء إغلاق مضيق هرمز أو الأجواء، لذا الحل موجود، وهذه لحظة صراحة أقولها، علينا بالتكامل والكل مستفيد، والاستثمار في بلداننا هو الأفضل والعائد سيكون للجميع مثل الاستثمار في قطار الإمارات إلى مدينة صحار، ولا نترك شعوبنا أمام مستقبل غامض، فنحن نملك الكثير من التجانس الذي يجعلنا في القمة، ولا يخالجني شك في أن ما هو قادم سيكون مختلفًا بالضرورة عن كل ما مضى في السابق، فالمرحلة القادمة تفرض علينا النظر إلى شراكة أكثر قوة وحيوية، واستحداث وتطوير معايير التكامل بيننا في مختلف المجالات الأمنية والغذائية واللوجستية لتتجاوز حدود الدعوات لواقع ملموس هذه المرة لشعوب دول مجلس التعاون.
والله من وراء القصد.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك