في يناير 2017 عرض الموسم السادس من المسلسل الأمريكي أرض الوطن «Homeland» وهو ضمن سلسلة عرض موسمها الأول عام 2011، ضمن تيمة أمريكية تحيل منابع الشر للإسلام السياسي والإرهاب الخارج من عبائته، وآراء على استحياء ترفض التعميم على جموع المسلمين بشكل مطلق.
نستطيع القول أن هذا الموسم، كان استشرافا للمستقبل.
أو تمهيدا له بما يجري في الكواليس، حيث يتضمن ربطا غير عادي، يكاد يصل لحد التطابق المذهل مع الجدليات السياسية والواقع الحالي الذي تدور رحاه منذ نحو شهرين بين أمريكا وإسرائيل من جانب وإيران من جانب آخر، حيث أظهر المسلسل كيف سعت المخابرات الإسرائيلية «الموساد» لتوريط إيران وخلق ادعاء بأنها تقوم بخرق الاتفاق النووي الموقع عام 2015، وتسعى إلى القفز على ذلك ببرنامج نووي موازي في كوريا الشمالية.
تبدأ الأحداث بفوز رئيسة جديدة لأمريكا بالانتخابات والفترة ما بين إعلان فوزها وكونها رئيسة منتخبة وليست فعلية وفترة تنصيبها الرسمية وحلف اليمين، وتبنيها نهجا مغايرا على السياسة الأمريكية وتشكيكها في جدوى التدخلات العسكرية والتحركات الاستخباراتية التقليدية، وهو ما يثير ذعر «الدولة العميقة» داخل مجتمع الاستخبارات الأمريكي، وحفيظة الجانب الإسرائيلي، من تعامل الرئيسة المرتقبة مع قضايا المنطقة وخاصة فيما يتعلق بإيران.
وبناء على تلك المخاوف يتم فبركة معلومات استخباراتية تشير إلى أن إيران تدير برنامجا نوويا سريا موازيا في كوريا الشمالية لخرق «الاتفاق النووي»، حيث يتعاون قائد استخباراتي عتيد داخل المخبارات المركزية الأمريكية «CIA» مع عناصر استخباراتية إسرائيلية لتثبيت هذه الرواية عبر تزييف الأدلة، بهدف إجبار الرئيسة على التخلي عن المسار الدبلوماسي واتخاذ إجراءات هجومية، تبدأ بفرض المزيد من العقوبات وانتهاء بشن هجمات استباقية، كما حدث الآن.
المؤامرة داخل سياق المسلسل، استخدمت هويات إلكترونية مزيفة «Bot Farms» لتضييق الخناق على الرئيسة المنتخبة، وخلق رأي عام مضلل، إضافة إلى شخصيات إعلامية تحريضية لتوجيه الجمهور والضغط على صانع القرار بناءً على تلك المعلومات المضللة، وتصفية كل من يحاول البحث وراء أي خيط يقود إلى المؤامرة التي كانت تحاك بزعم الحفاظ على الأمن الأمريكي ومنع إيران من امتلاك سلاح نووي على خلاف الواقع، لخلق زخم يدفع دائما صانع القرار للترقب واتخاذ خطوات هجومية استباقية لمنع حدث ذلك ووضعه في حالة ترقب ليدفع إلى إعلاء صوت السلاح فوق صوت التفاوض.
هناك نقاط تقاطع جوهرية بين رؤية المسلسل والواقع الجيوسياسي القائم الآن، حيث تعارضت الأيديولوجيا مع الحقيقة: في المسلسل، لم يكن القائد المخابراتي اأمريكي يبحث عن الحقيقة، بل عن المعلومة التي تخدم أجندته؛ في إحداث حالة ترقب مستمر، أما في الواقع الحالي، فيؤكد المحللون أن الضغوط الإسرائيلية، كانت لدفع واشنطن نحو قناعة بأن الدبلوماسية مع إيران «ماتت»، وهو ما يعيد للأذهان مشهد «تسييس المعلومات» الذي سبق غزو العراق، وهو ما ثبتت صحته من خلال السعي لوقف إطلاق النار أكثر من مرة وإحباطه بواسطة مساعي تل أبيب في استمرار الحل العسكري.
كشف المسلسل كيف يمكن لصانع القرار أن يصبح «رهينة» لتقارير استخباراتية يتم طبخها بعناية.
ودق ناقوس الخطر حول المعلومات المضللة ومدى تأثيرها على صنع القرار الاستراتيجي، والمتابع بدقة للواقع الأمريكي يستطيع أن يرى أن المحرك الأساسي لأي تحرك يكون عبر معلومات استخباراتية، قد تكون في معظم الأحيان مدفوعة بأيديولوجيا يسيطر عليها لوبي «صهيوأمريكي» كاره لأي تحرك دبلوماسي ويأجج مسألة الصراع وخلق عدو دائم يستدعي الاستنفار.
أظهر الموسم السادس من «أرض الوطن» كيف ينقسم مجتمع الاستخبارات على نفسه، حيث فريق يرى ضرورة الحفاظ على الاتفاقات -ولا يسمع له في غالبية القرارات-، وفريق آخر متطرف يرى أن الحرب هي الخيار الأوحد لكل شيء، وهذا الانقسام يعكس حقيقة الجدل القائم في واشنطن حول كيفية التعامل مع طموحات إيران النووية وسط ضغوط من اللوبيات المؤيدة لإسرائيل، وهو ما رأيناه في إقالات لكل من يخالف قرار استمرار الحرب لرؤيته عدم جدواها وأنها تخدم إسرائيل فقط، وهو ما يؤكد أن كثير من الأعمال الأمريكية لا تأتي اعتباطا ولكنها انعكاس واضح لتوجه قائم في السياسات الأمريكية نرا يخرج من حيز الدراما إلى الواقع مهما طال الوقت أو قصر.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك