الرباط ـ «القدس العربي»: يشهد الفيلم السينمائي «المطرود من رحمة الله» منذ انطلاق عرضه في القاعات السينمائية إقبالا لافتا، حيث امتلأت القاعات بالجمهور، في وقت تزايد فيه الجدل حول مضمونه، خاصة مباشرة بعد نزول إعلانه الترويجي، الذي رأى فيه البعض إساءة للدين والرموز الدينية، ما فتح نقاشا واسعا حول حدود حرية التعبير الفني، ومشروعية النقد في مقابل دعوات المنع.
وفي هذا السياق، شدد الناقد الفني عبد الكريم واكريم، في برنامجه «سينما واكريم»، على أن الحديث عن منع الأعمال الفنية يجب أن لا يكون مطروحا، مؤكدا أن الاختلاف مع أي عمل إبداعي يظل حقا مشروعا، من خلال إبداء الرأي والنقد، من دون المطالبة بحجبه، مبرزا أن دعوات المنع لا تؤدي إلا إلى زيادة شهرة العمل وانتشاره، بل تتحول إلى دعاية غير مباشرة له.
وأوضح واكريم أن الفيلم يندرج ضمن نوعية سينمائية تتناول عملية الإبداع ومعاناة الكاتب خلال مرحلة المخاض الإبداعي، وهي ثيمة سبق أن عالجها العديد من الأفلام التي ركزت على الحالة النفسية والفكرية للكاتب أثناء محاولته كتابة رواية.
وفي هذا الإطار، حاول مخرج العمل هشام العسري مناقشة هذه الثيمة، خاصة أنه يشتغل أيضا على كتابة الرواية، ما جعل خلفيته الأدبية وميوله تظهر بشكل واضح في الفيلم، مستثمرا معاناته الشخصية ككاتب في معالجة هذا الموضوع، لاسيما وأن أعماله تتسم بطابع نخبوي أكثر من كونها جماهيرية.
تتمحور قصة الفيلم حول كاتب لم تحقق رواياته أي نجاح يُذكر، يدخل في حوار مع ناشرته، التي تنصحه بكتابة جنس أدبي معين يجلب الجمهور، حتى إن كان بعيدا عن الكتابة الرفيعة، لينخرط في محاولة كتابة هذا النوع، فتتوالى الأحداث والتفاصيل المرتبطة بهذه التجربة.
واستند العسري، حسب واكريم، إلى أحداث حقيقية وقعت في إيران، مستلهمة من كتاب الكاتب الهندي البريطاني سلمان رشدي المعنون بـ»آيات شيطانية»، التي أدت في ثمانينيات القرن الماضي إلى إهدار دمه من طرف الخميني، وتعرضه لاحقا لمحاولات اغتيال.
وبنى المخرج حبكة الفيلم على هذا المعطى، حيث جعل بطل العمل يلتقي صدفة بالكاتب البريطاني، ليقرر بعدها خوض تجربة كتابة رواية مثيرة للجدل، سعيا إلى تحقيق الانتشار واستدرار الأموال والنجاح التجاري.
ويتميز الفيلم، في هذا السياق، بمزج واضح بين الواقعي والفانتازي والسريالي، في انسجام مع الأسلوب السينمائي الذي ظل العسري وفيا له في أعماله.
من جهته، يرى الناقد السينمائي مصطفى الطالب، أن سينما هشام العسري تندرج ضمن ما يُعرف بـ»سينما المؤلف»، حيث يُهيمِن التوجه الأدبي والفلسفي للمخرج على اختياراته الفنية، ما يجعلها سينما تجريبية قائمة على التخييل، تنفتح على قضايا اجتماعية وسياسية وفلسفية متعددة.
ويؤكد أن هذه السينما تتسم بجرأة واضحة، تسعى إلى اقتحام المسكوت عنه، بل تتمرد أحيانا على منظومة القيم والثقافة السائدة في المجتمع المغربي، بهدف خلق صدمة جمالية وفكرية لدى المتلقي، ودفعه إلى مساءلة مسلماته ومعتقداته.
وفي امتداد لهذا الطرح، يعتبر الطالب، متحدثا لـ «القدس العربي»، أن فيلم «المطرود من رحمة الله» لا يختلف كثيرا عن باقي أعمال العسري، من حيث طبيعة الإخراج والإيقاع الذي يجمع بين السرعة والبطء في المونتاج، وكأنه يسعى إلى خلخلة ذهن المشاهد وزعزعة يقينياته.
غير أنه يسجل خصوصية لافتة للعمل، إذ يبدو، حسب تعبيره، «فرنسيا بامتياز»، سواء من حيث اللغة أو اختيار الممثلين أو طبيعة التمويل، خاصة من خلال «الصندوق الفرنكوفوني للدعم»، ما يجعله بعيدا عن تمثيل الواقع الاجتماعي والثقافي للمشاهد المغربي، ويطرح تساؤلات حول مدى ارتباطه بالبيئة المحلية.
ويذهب الطالب إلى أن البناء السردي للفيلم، رغم استلهامه من قضايا واقعية ذات بعد عالمي، يعالج معاناة الكاتب من منظور فرنسي محض، وهو ما ينعكس على مسار الشخصيات وتحولاتها، خاصة في سياق انخراط بطل الفيلم في كتابة عمل مثير للجدل بحثا عن الشهرة والنجاح التجاري، ضمن عمل يمزج بين الفانتازيا والواقع، وصفه المخرج نفسه بـ»الخرافة».

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك