لم تقتصر تداعيات الحرب على غزة على الخسائر البشرية والدمار المادي، بل امتدت إلى الاقتصاد ومقومات الحياة الأساسية، إذ أدى تدمير آلاف المنشآت وتعطل الأسواق وانهيار فرص العمل إلى واحدة من أعقد الأزمات الاقتصادية التي عرفها القطاع، وسط ضغوط معيشية متزايدة تثقل كاهل السكان.
وبين البطالة المرتفعة وتراجع الدخل وارتفاع الأسعار وانخفاض تدفق المساعدات الإنسانية، يجد كثير من الغزيين أنفسهم أمام خيارات محدودة للبقاء، في ظل غياب أفق اقتصادي واضح يعيد إليهم القدرة على التخطيط لمستقبلهم.
وفي هذا السياق، يرى مراقبون ومختصون أن استمرار تدهور الأوضاع الاقتصادية يسهم في تنامي فكرة" الهجرة الطوعية" لدى شريحة متزايدة من السكان، ليس بدافع البحث عن حياة أفضل فقط، بل الهرب من ظروف معيشية باتت تتسم بعدم الاستقرار وفقدان مقومات الحياة الأساسية.
يقول المهندس خالد العطل الذي كان يمتلك مشروعاً متخصصاً في الحواسيب والبرمجة شمالي قطاع غزة، إن الحرب" قضت على سنوات طويلة من العمل والاستثمار والبناء المهني ولم تتوقف عند سلبي مصدر دخلي فقط".
ويوضح العطل لـ" العربي الجديد" أن إسرائيل دمرت محله التجاري بالكامل إلى جانب الحي الذي كان يقع فيه، ما أدى إلى فقدان مشروع كان يوفر فرص عمل لستة موظفين ويشكل مصدر رزق لعائلاتهم.
ويضيف: " مشروعي لم يكن مجرد نشاط تجاري"، بل كان بمثابة وطن صغير بناه بجهده على مدار سنوات.
ويتابع: " كنت أعتبره موطني الحقيقي الذي أعمل على تطويره وتنميته والاستثمار فيه باستمرار، كل ما امتلكته من خبرة ووقت ومال كان موجهاً لبناء هذا المشروع وتحويله إلى فرصة عمل مستقرة لي وللعاملين معي".
ويشير إلى أنه انتظر قرابة ثلاث سنوات على أمل العودة إلى العمل، لكن الواقع لا يزال يزداد صعوبة، والاحتلال يواصل التضييق على الناس ويمنع أي فرصة حقيقية للتعافي الاقتصادي، " حتى أصبحنا نكافح يومياً من أجل الحصول على لقمة الطعام، وأفكر جدياً في السفر لأنني أشعر أن الحياة تضيق بي يوماً بعد آخر، حتى تحولت المعيشة إلى عبء يومي ثقيل".
ويتقاطع تنامي التفكير في الهجرة لدى بعض السكان مع تصريحات إسرائيلية متكررة حول ما يسمى" الهجرة الطوعية"، وهي تصريحات أثارت مخاوف فلسطينية من استغلال التدهور الإنساني والاقتصادي لدفع السكان نحو المغادرة.
والأسبوع الماضي، أعلن وزير الحرب الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، أن إسرائيل ستنفذ" خطة الهجرة الطوعية" من قطاع غزة، قائلاً: " ستُنفَّذ خطة الهجرة الطوعية من غزة في التوقيت وبالطريقة المناسبين".
وكان الرئيس الأميركي دونالد ترامب وكبار المسؤولين الإسرائيليين، قد لمّحوا في أكثر من مناسبة إلى إمكانية تهجير الفلسطينيين من قطاع غزة، الذي تعرّض معظمه لدمار كبير من جراء أكثر من عامين من الحرب الإبادة.
ولا توجد حتى الآن إحصائية رسمية موثقة تحدد بدقة عدد الأشخاص الذين هاجروا أو غادروا قطاع غزة بشكل دائم منذ اندلاع الحرب، والغالبية العظمى ممن غادروا القطاع كانوا للعلاج عبر معبر رفح، في ظل تقييد الاحتلال لعمليتي المغادرة والعودة.
الضغوط الاقتصادية المركبة في غزةمن جانبه، يؤكد المختص في الشأن الاقتصادي محمد بربخ، أن المجتمع الغزي يعيش حالة من الضغوط الاقتصادية المركبة التي تسهم مباشرةً في تنامي فكرة الهجرة بين السكان، موضحاً أن كثيراً من المواطنين لم يعودوا ينظرون إلى الهجرة باعتبارها خياراً للبحث عن الرفاهية، بل وسيلة للهروب من واقع اقتصادي ومعيشي بالغ الصعوبة.
ويقول بربخ لـ" العربي الجديد" إن" فقدان القدرة على تأمين الاحتياجات الأساسية يدفع الأفراد إلى إعادة التفكير في مستقبلهم داخل القطاع"، لافتاً إلى أن استمرار تدهور الظروف الاقتصادية يجعل خيار المغادرة يبدو لدى البعض أقل قسوة من البقاء في ظل انعدام مقومات الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.
ويشير إلى أن الأرقام تعكس حجم الأزمة بصورة واضحة، حيث يتركز سكان القطاع حالياً في أقل من 40% من مساحة غزة، بينما تعتمد نحو 95% من الأسر على المساعدات الإنسانية مصدراً رئيسياً لتأمين احتياجاتها الأساسية.
كذلك وصلت معدلات البطالة إلى نحو 80%، فيما تجاوزت معدلات الفقر حاجز 90%، وهي مؤشرات تعكس حجم الانهيار الذي أصاب الاقتصاد الغزي خلال الفترة الأخيرة، حسب بربخ.
ويضيف: " الأزمة تفاقمت مع الارتفاع المستمر في الأسعار واتساع دائرة الاحتكار وضعف قدرة الجهات الرقابية على فرض سيطرتها نتيجة عوامل داخلية وخارجية متعددة، كذلك شهدت سلاسل توريد المساعدات والإغاثة تراجعاً ملحوظاً بسبب الإجراءات والعقبات التي تعوق عملها".
أما المختصة في الشأن الاقتصادي، سمر هارون، فترى أن الضغوط الاقتصادية في غزة تجاوزت حدود التأثير بمستوى الدخل الفردي، لتطاول مختلف تفاصيل الحياة اليومية، بما في ذلك الغذاء والسكن والتعليم وفرص العمل والاستقرار الاجتماعي، الأمر الذي جعل الأعباء المعيشية أثقل على مختلف فئات المجتمع.
وتقول هارون لـ" العربي الجديد" إن استمرار الأزمة وتراجع الآمال بحدوث تحسن اقتصادي قريب دفعا أعداداً متزايدة من السكان، خصوصاً من فئة الشباب إلى النظر للهجرة باعتبارها مخرجاً من واقع اقتصادي خانق، مشيرةً إلى أن الشعور بانسداد الأفق وفقدان الفرص أصبح من أبرز العوامل التي تدفع الأفراد إلى التفكير في مغادرة القطاع.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك