في قلب حي الزمالك العريق، حيث تتلاقى الأصالة مع الحداثة لتشكل وجدان القاهرة الثقافي، استضاف أحد أشهر أروقة الفن بالحي أمسية فنية استثنائية تحت رعاية الأستاذة شيرين شفيق، احتفاءً بواحدة من ألمع المواهب المصرية الصاعدة في سماء الغناء الأوبرالي العالمي، السوبرانو لنا بن حليم.
لم يكن هذا اللقاء مجرد حفل موسيقي عابر، بل كان تظاهرة فنية وثقافية رفيعة المستوى شهدت حضوراً نخبوياً لافتاً، تصدرته الدكتورة نيفين علوبة، وأعضاء من فرقة" فابريكا" الموسيقية، والإعلامية الكبيرة جاسمين طه ذكي، والكاتبتان هند ونادية واصف، والأستاذة نهال شوقي مدير مكتبات" ديوان"، إلى جانب حشد من الشخصيات الثقافية والدبلوماسية المرموقة.
كشفت هذه الأمسية عن ملامح فنانة صُقلت موهبتها بالدراسة الأكاديمية الصارمة في أعرق الجامعات الدولية؛ فـ" لنا" التي تضع حالياً اللمسات الأخيرة لدراستها الجامعية في تخصص الأداء الصوتي بجامعة" جيدهل" للموسيقى والدراما بلندن (Guildhall)، تتدرب على يد الأستاذة سامانثا مالك.
وقد جاءت هذه المحطة اللندنية تتويجاً لمشوار بدأ منذ سن السادسة مع آلة البيانو تحت إشراف الدكتورة إيمان نور الدين بالإسكندرية، قبل أن تكتشف سحر صوتها في سن العاشرة وتبدأ تدريباتها الصوتية المكثفة على يد الرائدة الدكتورة نيفين علوبة.
هذا الأساس الأكاديمي المتين جعل من السوبرانو لنا بن حليم فنانة متميزة جداً، تمتد خبرتها في الأداء لتشمل الأعمال المنفردة والجماعية على أعرق المسارح؛ من دار الأوبرا ومسرح الجمهورية، وصولاً إلى مكتبة الإسكندرية والجامعة الأمريكية بالقاهرة.
وفي عام 2025، استطاعت" لنا" أن تحصد المركز الأول في مسابقة" فرانس شوبيرت" العالمية، مما أهلها لمنحة دراسية في معهد" شوبيرت" العريق بالنمسا، حيث انخرطت هناك في ورش عمل تخصصية لدراسة" الليد الألماني" مع قامات عالمية يُشار إليها بالبنان، أمثال: إيلي أميلينج، هيلموت دويتش، روبرت هول، وجوليوس دريك.
هذا التراكم المعرفي ظهر جلياً في أدائها؛ حيث تم اختيارها كمتسابقة نهائية لتمثيل مدرسة" جيدهل" في مسابقة" سير برين تيرفل" المرموقة، وتُوجت مؤخراً بالجائزة الأولى في مسابقة" سوزان لونجفيلد"، مما يرسخ اسمها كقوة صاعدة في الغناء الأوبرالي العالمي.
ولم يكن هذا التمكن ليظهر بأبهى صوره لولا وجود شراكة فنية متناغمة على خشبة المسرح مع عازفة البيانو المتميزة أناستازيا شيتسكو، القادمة من" مينسك" ببيلاروسيا، والمشبعة بتقاليد الموسيقى الكلاسيكية.
لقد تنوع برنامج الحفل ليعكس اتساع آفاق موهبة السوبرانو لنا بن حليم وقدرتها على تطويع صوتها لمختلف المدارس؛ فمن الرشاقة في مقطوعات ليو دليب وفرناندو أوبرادورس، إلى الدراما الأوبرالية العميقة في أعمال جايتانو دونيزيتي من أوبرا" ليندا دي شاموني".
أما اللحظة الأكثر تأثيراً، فكانت حين شدت بروائع الموسيقار محمد عبد الوهاب، مثل" أهواك" و" لا مش أنا اللي أبكي"، و" أنا لك على طول" لعبد الحليم حافظ.
فبلمسة سوبرانو متمكنة، أعادت تقديم هذه الكنوز برؤية عالمية حافظت على روح" موسيقار الأجيال" مع إضفاء فخامة الأداء الأكاديمي عليها، لتؤكد أننا أمام فنانة مثقفة تدرك أن الفن رسالة عابرة للحدود، وأن مصر لا تزال ولادة بالمواهب التي تشرفها في أكبر المحافل الدولية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك