خبران مدهشان ومتناقضان عن شركائنا في كوكب الأرض: الأول دراسة علمية حديثة كشفت أنّ الطيور التي تعيش معاً في مجموعات اجتماعية تتشارك البكتيريا النافعة في أمعائها.
فالطيور المتقاربة كالأزواج مثلاً تمتلك تركيبة ميكروبية متشابهة وتكاد تكون متطابقة أحياناً، ولاحظ العلماء أنّه كلّما ازدادت الروابط بين الطيور ازدادت درجة التشابه في تركيبتها البكتيرية، ما يساعد في تعزيز المناعة الجماعية، ويؤثّر في عملية التكيّف مع البيئة.
كما لاحظوا أنّ هذه الظاهرة لا تقتصر على الطيور بل موجودة لدى الثدييات أيضاً، بما فيها نحن البشر.
ثمّة ما هو جميل وشاعري في هذا الخبر العلمي، وهو أنّ شدّة التقارب تجعل الكائنات تتشارك التفاصيل الطبيعية والميكروبية التي تساعد في بقاء نوعها ومنعه من الانقراض، إذ لا يترك التقارب (والتلاحم) بين الكائنات أثراً اجتماعياً أو عاطفياً فقط، بل حتى ميكروبياً، يمكّنها من الاستمرار والتشارك والتبادل كما لو أنّ في كلّ كائن جزءاً من كائن آخر، هل يمكن للحبّ أن يكون أكثر من ذلك؟هذا الحبّ بين كائنات الطبيعة دافعه البقاء، " حبّ بريء" على رأي سيوران في كتابه" مثالب الولادة" (نقله إلى العربية آدم فتحي، منشورات الجمل، بيروت، 2015)، لأنّ عاطفة هذه الكائنات لا تعرف الوعي، هي خارج طقس" السقوط الوجودي" الذي أصاب الإنسان في عملية تطوّره.
هذا الحبّ هو حبّ خالٍ من التناقض الأخلاقي لأنّه أصلاً خالٍ من عقدة الذنب، حبّ غير محمول على أيّ شيء سوى غريزة البقاء وحفظ النوع والتشارك في كلّ ما يساعد في التأقلم والبقاء لدى مجتمعات الكائنات المتقاربة.
لكن في خبر آخر يبدو شديد التناقض مع السابق، رصد العلماء على مدى سبع سنوات حرباً أهلية حقيقية بين مجموعات من الشمبانزي في حديقة كيبالي الوطنية في أوغندا، إذ بدأت القصة بانقسام مجموعة كبيرة إلى فصيلين متنافسين يسود بينهما توتّر تحوّل لاحقاً إلى حرب منظّمة على طريقة الكمائن والهجمات الجماعية، وانتهت بسيطرة المجموعة الأقوى على المكان، وطردت منه المجموعة الأضعف وقتلت منهم كثيرين (بلغ عدد ضحايا الحرب 45 شمبانزي)، واحتلّت المكان واحتفظت بنساء المجموعة المنهزمة بوصفهنّ سبايا (توصيف الذكاء الاصطناعي).
فصيلا الشمبانزي كانا مجتمعاً واحداً يعيش في أرض واحدة.
وبحسب الخبر السابق عن تشابه الميكروب، ينبغي أن يمتلك أفراد مجتمع الشمبانزي ميكروبات متشابهة يتشاركونها للحفاظ على النوع والتأقلم مع البيئة المحيطة، وللدفاع عن وجود الأفراد والمجتمع.
ما الذي حصل إذاً وجعل من مجتمع الشمبانزي يتخلّى عن" الحبّ البريء" الذي يميّز الكائنات غير البشرية، ويتحوّل إلى مجتمع عنفي تريد كلّ مجموعة فيه الاستئثار بكلّ شيء؟ إنّه التطوّر الطبيعي، فالشمبانزي يمتلك قدرات إدراكية متقدّمة تتفوّق فيها على باقي الكائنات غير العاقلة، تجعلها تتمتّع بذاكرة اجتماعية تساعدها في بناء تحالفات وتمييز الخصوم والتخطيط لشنّ هجمات تفرض من خلالها سيطرتها على المكان بموارده.
إنّه أيضاً عنف غريزي سببه حفظ النوع، لكنّه النوع المختار، بمعنى أنّ تلك المقدرة الإدراكية المتقدّمة تمنح أفراد الشمبانزي شعوراً خفياً بالتفوّق وبالاستقواء على بعض أبناء جنسها في المجموعة نفسها، قد تُشعر مجموعة الشمبانزي غريزياً بأنّها الأحقّ بالموارد، فتخطّط للسيطرة عليها وامتلاكها بدلاً من تشاركها مع باقي أفراد (قبيلتها) أو مجتمعها.
هل يقود التطوّر الطبيعي للدماغ إلي مزيد من العنف على حساب التشاركية، أم أنّ هذا العقل الذي تطوّر بشرياً إلى حالته اليوم، طوّر معه التناقض بين الحالة التشاركية الأولى لدي الطيور وبين الحرب الأهلية لدى الشمبانزي؟ في الحقيقة إنّ تطوّر العقل لا يمنح حكم قيمة أخلاقية، هو يمنح وعياً معقّداً يوسّع إمكانية حضور الخير والشر، ونحن البشر على ما يبدو أبناء هذا التناقض، نحمل في أجسادنا ذاكرة الطيور وميكروبات من نحبّهم، ونحمل ذاكرة المحاربين قبل تطوّرنا النهائي.
وربّما هذا التناقض هو ما يفسّر أن الحروب ليست دائماً نقيض الحضارات، بل هي ظلّها الأقدم الذي لا يمكن تفسيره، مثلما نحن الظلّ الأحدث لمليارات الكائنات التي عاشت قبلنا وأورثتنا هذا التناقض.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك