تشهد إسبانيا طفرة قياسية في الاستعانة بالعمالة الأجنبية لدعم نموها الاقتصادي وسد العجز في سوق العمل، لتقدم بذلك نموذجاً يغاير التوجه العام في الاتحاد الأوروبي.
فبينما تتجه عواصم أوروبية عدة نحو الانكفاء وتبني سياسات حمائية لتقييد الهجرة بوضعها في مقدمة أسباب الأزمات الاقتصادية والخدمية، ترتكز الاستراتيجية الإسبانية الحالية على دمج المهاجرين رافعةً أساسية للاقتصاد والضمان الاجتماعي.
وأظهرت بيانات الضمان الاجتماعي الإسباني لشهر مايو/أيار 2026 ارتفاع عدد الأجانب المنتسبين إلى نظام الضمان الاجتماعي إلى نحو 3.
36 ملايين عامل، وهو أعلى مستوى في تاريخ البلاد، بعد إضافة أكثر من 111 ألف وظيفة جديدة خلال شهر واحد فقط، في زيادة شهرية بلغت 3.
4%، وهي النسبة الأعلى منذ عام 2018.
كما ارتفع عدد العمال الأجانب بنحو 289 ألف عامل مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، وهو أكبر نمو سنوي يُسجل على الإطلاق في إسبانيا.
ويضخ هذا التدفق الضخم لدافعي الضرائب إيرادات فورية لتمويل معاشات التقاعد المحلية ويخفض العجز المالي هذا العام.
وبينما تعاني القوى الاقتصادية التقليدية في أوروبا (مثل ألمانيا وفرنسا) من ركود أو نمو يقارب الصفر، تشير التوقعات والمؤشرات الاقتصادية للنصف الأول من عام 2026 إلى أن إسبانيا ستقود النمو الاقتصادي في منطقة اليورو بنسبة تصل إلى 2.
1%.
ويأتي هذا التسارع في وقت تطبق فيه الحكومة الإسبانية برنامجاً استثنائياً لتسوية أوضاع المهاجرين غير النظاميين، ما أثار تساؤلات واسعة بين المحللين الاقتصاديين حول مدى مساهمة هذه السياسة في الطفرة الحالية بسوق العمل، وما إذا كانت الأرقام القياسية المسجلة تعود إلى التعافي الاقتصادي الطبيعي أم إلى دخول عشرات الآلاف من المهاجرين بشكل قانوني إلى سوق العمل الرسمي.
رفد سوق العمل تُظهر البيانات الرسمية أن العمالة الأجنبية أصبحت خلال السنوات الأخيرة أحد أهم محركات الاقتصاد الإسباني، خصوصاً في القطاعات التي تعاني نقصاً في اليد العاملة مثل السياحة والزراعة والبناء والخدمات والرعاية الصحية.
ويؤكد خبراء الاقتصاد أن هذا التطور يعكس تغيراً هيكلياً في الاقتصاد الإسباني، الذي بات يعتمد بشكل متزايد على العمالة الأجنبية لتعويض شيخوخة السكان المحليين وتراجع معدلات الولادة، إضافة إلى تلبية احتياجات سوق العمل المتنامية.
وفي هذا السياق، يرى منسق المكتب الاقتصادي في نقابة" اللجان العمالية" الإسبانية، لويس ثارابوث في حديثه مع" العربي الجديد" أن" هناك زخماً واضحاً في توظيف العمال الأجانب بدأ قبل إطلاق برنامج التسوية الاستثنائية، لكنه بات أكثر وضوحاً مع دخول هذا البرنامج حيز التنفيذ".
ويضيف أن الفصل بين تأثير الدورة الاقتصادية الطبيعية وتأثير إجراءات التسوية القانونية ليس أمراً سهلاً، مشيراً إلى أن بعض المهاجرين الذين تقدموا بطلبات التسوية حصلوا بالفعل على موافقات تسمح لهم بالعمل والانتساب إلى الضمان الاجتماعي، رغم أن الحكومة لم تكشف بعد عن العدد النهائي للطلبات المقبولة.
وبدأت الحكومة الإسبانية في تنفيذ برنامج استثنائي لتسوية أوضاع المهاجرين خلال الربع الأول من العام الجاري، ويستمر استقبال الطلبات حتى 30 يونيو/حزيران الحالي.
ويهدف البرنامج إلى إدماج مئات الآلاف من المهاجرين الذين يعيشون ويعملون في إسبانيا بصورة غير نظامية، عبر منحهم تصاريح إقامة وعمل قانونية.
لكن رغم التزامن الزمني بين انطلاق البرنامج وتسارع نمو العمالة الأجنبية، يتجنب المسؤولون الحكوميون الربط المباشر بين الظاهرتين، معتبرين أن الوقت لا يزال مبكراً لاستخلاص استنتاجات نهائية.
وحتى الآن، لم تقدم الحكومة بيانات تفصيلية حول عدد الطلبات المقبولة أو المرفوضة، إلا أن معطيات ظهرت خلال جلسات قضائية أمام المحكمة العليا كشفت أن السلطات تلقت أكثر من 549 ألف طلب تسوية، جرى قبول نحو 91 ألفاً منها للدراسة الأولية حتى 22 مايو/أيار الماضي.
ويرى بعض المحللين أن مجرد بدء عملية التسوية شجع عدداً كبيراً من العمال غير النظاميين على الانتقال إلى الاقتصاد الرسمي، ما انعكس مباشرة على بيانات الضمان الاجتماعي.
مساهمة في النمو الاقتصادي أصبحت العمالة الأجنبية خلال السنوات الأخيرة عنصراً محورياً في الحفاظ على وتيرة النمو الاقتصادي الإسباني، خاصة بعد أزمة جائحة كورونا وما تبعها من تعافٍ اقتصادي سريع.
وتشير البيانات إلى أن معدل نمو توظيف الأجانب ظل يدور حول 7% سنوياً خلال الأشهر الماضية، قبل أن يتسارع بشكل واضح منذ مارس/آذار 2026، حين ارتفع النمو السنوي إلى 7.
9%، ثم إلى 8.
4% في إبريل/نيسان، وصولاً إلى 9.
4% في مايو/أيار.
وفي حديثه لـ" العربي الجديد"، يشير الخبير الاقتصادي الإسباني أنخيل تافاليرا إلى أن الأداء الحالي للاقتصاد الإسباني لا يمكن فصله عن عامل ارتفاع تدفقات الهجرة التي دعمت سوق العمل، معتبراً أن هذا العناصر شكّل أساس" الاستثناء الإسباني" داخل أوروبا خلال السنوات الأخيرة.
ويوضح أن إسبانيا، بخلاف عدد من الاقتصادات الأوروبية التي اتجهت نحو تشديد سياسات الهجرة وتقليص فرص العمل للأجانب، اختارت توسيع قاعدة القوى العاملة ودمج المهاجرين في الدورة الاقتصادية، ما ساعدها على تعويض آثار الشيخوخة السكانية ونقص العمالة في قطاعات حيوية.
ويضيف تافاليرا أن المهاجرين لم يعودوا مجرد عنصر ثانوي في الاقتصاد الإسباني، بل تحولوا إلى أحد محركات النمو الرئيسية، سواء عبر زيادة الاستهلاك الداخلي أو عبر سد الفجوات في قطاعات السياحة والخدمات والبناء والزراعة والرعاية الصحية.
ويرى أن قدرة الاقتصاد الإسباني على خلق فرص عمل بوتيرة أسرع من معظم دول الاتحاد الأوروبي ترتبط مباشرة بمرونة سوق العمل واستمرار تدفق اليد العاملة الأجنبية، الأمر الذي حافظ على دينامية الاقتصاد في وقت تعاني فيه اقتصادات أوروبية كبرى من تباطؤ واضح.
ويتابع أن النموذج الإسباني يقوم عملياً على فكرة أن الانفتاح الاقتصادي والاجتماعي أكثر جدوى من سياسات الانغلاق، موضحاً أن الحكومة الإسبانية تعاملت مع الهجرة باعتبارها ضرورة اقتصادية وليست ملفاً أمنياً فقط، وهو ما انعكس على معدلات النمو والإنتاجية والاستثمار.
وفي هذا الإطار، أوضح مركز الدراسات الاقتصادية" بي بي في إيه ريسيرش" أن البيانات المعدلة موسمياً تشير إلى استمرار نمو قوي في العمالة الأجنبية، لكنه اعتبر أن تأثير برنامج التسوية الاستثنائية" لم يظهر بعد بشكل كامل" في الأرقام الحالية.
وأشار المركز إلى أن الزيادة المسجلة في مايو/أيار، بعد استبعاد العوامل الموسمية، بلغت نحو 36 ألف عامل، وهي نسبة تتماشى مع الاتجاهات القوية التي بدأت منذ مارس/آذار الماضي.
وقالت وزيرة الإدماج والضمان الاجتماعي والهجرة والمتحدثة الرسمية باسم الحكومة في إسبانيا إلما سايز في تصريح، " تُعد مساهمة العمال الأجانب في سوق العمل لدينا أمراً أساسياً.
فهي تدعم قطاعات مثل الضيافة، حيث يكون واحد من كل ثلاثة عمال من بلد آخر، كما أنها تعزز ريادة الأعمال".
ففي قطاع السياحة، الذي يمثل أحد أعمدة الاقتصاد الإسباني، تعتمد الفنادق والمطاعم بشكل كبير على العمالة القادمة من أميركا اللاتينية وشمال أفريقيا وأوروبا الشرقية.
كما يعتمد قطاع الزراعة على المهاجرين في مواسم الحصاد، بينما يشهد قطاع الرعاية الصحية والخدمات المنزلية حضوراً متنامياً للعمالة الأجنبية، خاصة مع ارتفاع نسبة كبار السن في المجتمع الإسباني.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك