الخوف عائق أمام السلام: قراءة سيوسولوجية (٢)أن تأسيس مدخل يتناول ما يخاف منه أطراف الحرب ويمنعهم من الاتجاه نحو طريق السلام، يكون عبر التركيز على مشروعية أزمات الوضع المأزوم لكوارث الحرب.
فأي مجتمع في فترات معينة يشهد أشكالاً عديدة من عمليات التفاعل الاجتماعي، ويمكن الإشارة الموجزة إلى أهم هذه العمليات كمدخل لفهم الوظائف والأدوار التي تؤديها وسط المجتمع والجماعة والدولة.
أولاً عملية الصراع كأحد أهم أشكال التفاعل الاجتماعي، وتعني السيطرة أو الهيمنة على الموارد الطبيعية والبشرية ومصادر التنمية وأدوات السلطة، بالإقصاء أو إضعاف الطرف المتصارع معه بالعنف والقوة المادية والرمزية.
تؤدي إلى القتل ودمار البنى التحتية والمشاريع الإنتاجية، وتارجح الاستقرار وفشل الدولة وتضعضع قوة المجتمع، ويظهر هذا النموذج جلياً في الحرب السودانية.
أما الشكل الثاني فهو عمليات المنافسة، وفيها يتم الاحتكام إلى القانون كقواعد للمنافسة تنظمها اللوائح والتشريعات المختصة بالتنافس في (الانتخابات والسوق والرياضة والترقي الوظيفي وغيرها).
ويتطلب إنفاذها حيادية ومسافة واحدة بين المنافسين، منعاً للفساد الإداري والقانوني للدولة، وإلا ستتحول إلى عملية صراع (حرب) تستخدم أدوات العنف.
ثم عملية التماثل الاجتماعي (الامتثال)، والتي تُختصر بأنها ممارسة أساليب الخضوع والامتثال لرغبات الجماعة واتجاهاتها طوعاً أو بالضبط الاجتماعي والانصهار الكامل، مما قد يؤدي عند البعض إلى إلغاء خصوصية الفرد.
ويظهر ذلك في طريقة اتخاذ القرارات المتعلقة بالتربية والتنشئة الاجتماعية واختيار الزواج والنشاط الاقتصادي لعضو الجماعة، ويكون الأمر مرتبطاً بزعيم الجماعة وقيمها المكتسبة.
نعتقد أن هذه العملية ساعدت إلى حد كبير أثناء الحرب في التحشيد والاستنفار والهلع الحربي.
وأخيراً نسلط الضوء على عملية التعاون، وهي اتحاد أفراد أو جماعات مختلفة من أجل تحقيق هدف مشترك ومنفعة ومصالح متبادلة في مقابل مخاطر أو مهددات آنية أو محتملة لتلك الجماعات والأفراد.
إذن عنصر سلوك باعث الخوف الإيجابي هو عملية لمواجهة الطبيعة وكوارثها أو الفقر بالإنتاج والخطر بالحماية، والتعاون يقوم على مضامين التضامن والتكامل الجماعي بناءً على المنافع والمصالح.
هذا هو المقال الثاني عن سوسيولوجية الخوف من السلام من منظور الخوف الإيجابي المحفز والمتجاوز للمشكلات، ومن خلال عملية التعاون كأحد الحلول التي تفكك مناطق الحرب لتحقيق الاستقرار والحماية والسلام والتعايش الاجتماعي عبر التنمية التشاركية محلياً.
شكّلت الحرب التي اندلعت في 15 أبريل 2023، وللأسف دخلت عامها الرابع، تحولاً جذرياً في الدولة السودانية، تمثل في انهيار الخدمات الأساسية ومؤسسات وأجهزة الدولة، مما أنتج الفقر الغذائي (للجماعات) والأمراض الوبائية، وتوقفت المشاريع الزراعية والصناعية المنتجة، وتزامن ذلك مع ضعف وأحياناً غياب المساعدات الإنسانية المقدمة من المنظمات الوطنية والإقليمية والدولية، مع تنامٍ متسارع ومستقطب للكراهية الهوياتية، مما شكل تهديداً عميقاً في البناء الاجتماعي الذي كان يبدو متماسكاً.
وأسهم ذلك الفراغ، الذي يحدث غالباً لغياب أجهزة الإنذار المبكر أثناء الحروب، في الانحراف السلوكي المتسارع وفقاً لشروط سلوك الخوف الوجودي الغريزي، بالاتجاه نحو تجييش الجماعات والحماية الذاتية.
ففي السودان، تم الانكفاء على منصات استندت إلى مغالطات تراثية تاريخية وثقافية كانت للأسف ملازمة لدولة ما بعد الاستقلال، والتي وُظفت عليها الذاكرة التخوفية والتجريمية للجماعة ضد الجماعة المتشاركة والمشتركة في السوق والإنتاج والتعايش الاجتماعي والاندماج.
شهد السودان في فترات متقطعة، كما هو الحال في مجتمعات معظم دول العالم الثالث، نزاعات بسيطة محلية ذات ملمح اختلال أو تناقض اقتصادي اجتماعي للتباين الإنتاجي، وهو ما كان يُنزع فتيله تحت ظل الشجرة وتحت الراكوبة التقليدية.
واستمر الحال على ذلك المنوال في كبح بؤرة مسببات الخوف والصراع في بداياته بقوة نظام الضبط الاجتماعي الأهلي.
لكن ظهور متغيرات جديدة مثل اندلاع الحروب في منطقة الصحراء الكبرى، وبالذات بين ليبيا وتشاد في إقليم أوزو، وانتشار السلاح في منتصف الثمانينات من القرن الماضي، والمتغير السياسي المتمثل في انقلاب 30 يونيو 1989م، ووصول الجبهة الإسلامية كحزب شمولي أحادي برؤية المشروع الحضاري الإسلامي والاتجاه نحو التمدد في دول الإقليم المجاورة وأيضاً دولياً، ساهمت في اتساع مساحات الصراع الوطني.
وازدادت استمالة مواقف الجماعات هنا وهناك تجاه المتغير الجديد وآثاره، خلال الحرب مع الحركة الشعبية لتحرير السودان (1982)، فتوسعت دائرة وفضاء الخوف المرضي وسط المجموعات المتجاورة تاريخياً وثقافياً، وصُنفت في أحيان كثيرة عرقياً وإثنياً.
ففي العام 2003م ظهرت حركات الكفاح المسلح في دارفور نتاجاً لظروف موضوعية وذاتية، وتمددت تباعاً حسب حالة الجزر والجذب والمد بين النزاع والصراع والحرب، وتم فيها استهداف جماعات المجتمعات المتبادلة بناءً على الهوية وعلاقتها بالمركز المسيطر بالقوة والثروة.
بالتأكيد أثرت تلك العوامل على العلاقات الإنسانية والبنية الاجتماعية المتبادلة للجماعات فيما بينها.
سوسيولوجية الخوف من السلام تفرض ضرورة العمل نحو التعاونيات كنموذج للتماسك المجتمعي، في ظل حالة العجز الشامل والواقع المأساوي للحرب.
فالتعاونيات لم تعد مجرد نشاط اقتصادي محصور، بل يجب أن يتعدى ذلك بأن تتحول إلى شريان يغذي الحياة ويعيد صياغة التنمية المحلية أثناء الحرب وبعدها.
فقد باتت التعاونيات ضرورة قصوى كأداة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية باستنهاض مشاركة المجتمع المحلي عبر نظم النفير والاستنفار الشعبي كتراث شعبي متوارث يُستغل للإنتاج وليس للصراع الحربي، في أوقات الشح وضعف وانعدام الخدمات بسبب تعثر الدولة وضعف البنى التحتية للخدمات بل انهيارها، ومنظومات الفساد المستشري لمافيا ومليشيات وتجار اقتصاديات الحرب، وانتشار سلوك الخلاص الفردي والسماسرة والاستغلال الربحي على حساب القيم والأخلاق، والسلوك غير الإنساني الذي يدفع نحو إعلاء أدوار الفرد على الجماعة في المجتمع.
التعاونيات هي منظومة اجتماعية قبل أن تكون اقتصادية، بحكم أنها فاعلة في إشباع الحاجات الإنسانية من الغذاء والعلاج والحماية كضرورات واجبة للوجود والحفاظ عليه.
حصرت الحرب الاهتمام بالأولويات وأعادت السودانيين إلى الوراء، وهو ما تجاوزته الإنسانية الخلاقة في ظل الذكاء الاصطناعي والتقنيات الكونية، ونحن ما زلنا عند قاعدة الدرجة الأولى في سلم (هرم ماسلو) لإشباع الحاجات الأساسية.
التعاونيات هي أحد الأساليب الناجعة التي تنقل المجتمعات إلى دولة قوية مدنية ديمقراطية، وذلك إذا ما تمسكت بالإصرار والتخطيط التعاوني العلمي والبناء القاعدي من مرحلة “الإغاثة الطارئة المستوردة” إلى “إعادة الإعمار والإنتاج من الداخل”، وصولاً إلى تحقيق الأمن الغذائي للمستهلك أولاً في المجتمعات المحلية.
ومع استدامة الاستقرار وإدارة التنظيم الإنتاجي، يساعد ذلك على فتح الأسواق عبر شبكات العلاقات بين القرى والمدن كمناطق الإنتاج والاستهلاك والتوزيع، وربما يقود إلى طموح التصدير بالاستناد إلى عظم التجربة بالتراكم والخبرة وتطور الإدارة المؤسسية، وذلك من خلال سيادة ثقافة الجماعة التعاونية التكافلية والتضامنية، فالإنسان الملتزم والفاعل هو عماد التنمية والاستقرار والسلام.
كذلك فإن عملية التعاونيات وفلسفتها التبادلية للمصلحة المشتركة في الإطار الإثني والجغرافي سوف تتصدى وتتجاوز بقوة الدفع المحلي القاعدي بالوعي المشترك للحياة لكل محاولات أطراف الحرب في صناعة وبناء الكراهية وسط الجماعات المتجاورة المشتركة في تعاونيات التبادل الاقتصادي، التي تفرضها ضروريات المحافظة على الحياة والأمن الغذائي.
وهذا التحدي يحتاج إلى القيادة ذات المرجعيات الاجتماعية المحلية، وهي التي ستتجاوز سوسيولوجية الخوف السلبي المهلك بإيقاف عمليات الإمداد الشبابي نحو ميادين القتال، وبث ونشر قيم وثقافة السلام وبناء الثقة الجماعي رمزياً ومعنوياً، بما يبني حصوناً للسلام والتعايش وقبول الآخر، ويجفف مصادر إمداد خطوط تجييش الصراع والحرب في المجتمع.
يُستكمل المجهود بتظافر إرادة أبناء المجتمعات المحلية في المهجر بالدعم الفني والتمويل والدراسات والأبحاث والوسائل المتاحة والعلاقات بالمنظمات والهيئات المهتمة.
إن التنمية الاجتماعية عبر التعاونيات تساهم في تطور وتمكين المشاركة الواسعة للنساء والشباب وأدوارهم في حماية المجتمع والاشتراك ضمن عمليات الإنتاج والتنمية، ونيل فرص التدريب ورفع القدرات والمهارات الإدارية والرقمية، مما سيؤدي إلى رفع الوعي الاجتماعي المطلوب لدى هذه الفئات المؤثرة في قضايا الدولة والمجتمع فيما يتعلق بالسلام والاستقرار.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك