في قلب الأندلس وحيثما أزهرت حضارة قرطبة، انبثق نجم في سماء الطب والجراحة، لم يكن مجرد طبيب معالج، بل كان صانعا لنهضة طبية علمية، ومجددا لأساليب جراحية ظلت حبيسة الأوهام، ويكفى أن كتابه في الطب أصبح المرجع الأساسي التي اعتمدت عليه أوروبا لتأسيس نهضتها، حيث ظل يُدرس في كبرى الجامعات هناك مثل أوكسفورد والسربون وغيرها.
لم يكن أبو القاسم الزهراوي جراحًا عاديًا، بل كان أبو الجراحة الحديثة بامتياز ورائد الهندسة الطبية، فقد حول الجراحة من ممارسة يدوية مرتجلة إلى علم مؤسس على المعرفة التشريحية الدقيقة والتقنيات المبتكرة.
إن متصفحَ تاريخِ الطب ليقف مُذهولا أمام عبقريته، حيث ابتكر ورسم أكثرَ من مائتي آلةٍ جراحية، بعضها لا تزال مستخدمه بصورة مُطورة في غرف العمليات حتى اليوم.
وتعد موسوعته الخالدة «التصريف لمن عجز عن التأليف»، التي لم تكن مجرد نقلٍ لمعارف سابقة، بل كانت خلاصة تجاربَ أصيلة، ورؤية طبية متقدمة سبقت عصرها بقرون؛ لتصبح مرجعًا تدريسيًا أساسيًا في جامعاتِ أوروبا لأكثرَ من خمسةِ قرون، إننا لا نؤرخ لطبيب فحسب، بل نحتفي بإرث إنساني وعلمي، جعل من موسوعته منارة تهتدي بها البشرية، ومن" الزهراوي" رمزا للعطاءِ المسلم في شتى العلوم.
وُلد أبو القاسم خلف بن عباس الزهراوي في مدينة الزهراء بالقرب من قرطبة حوالي سنة 325هـ/936م، وتوفي سنة 403هـ أو 404هـ/ 1013-1014م.
تلقى تعليمه في جامعة قرطبة، التي كانت مركز علمي مرموق، وتخصص في الطب والفيزياء والكيمياء، وأظهر نبوغًا مبكراً في التشريح والجراحة، وعمل طبيب خاص للخليفة الحكم المستنصر بالله، وتفرغ للبحث والتأليف في قرطبة، وكان يركز على التطبيق العملي والتشريح.
تفرد الزهراوي عن غيره من علماء الحضارة الإسلامية في مجال الجراحة بالتحديد، وكانت خبرته واسعه بهذا المجال، ويعتبر أول من فرق بين مجال الجراحة وغيرها من مجالات الطبية الأخرى، وهو أول من وضع أساس علم الجراحة القائم على التشريح، وجعل منه علماً مستقل، ولقد يبتكر قوانين جديدة في علم الجراحة.
وينقل جوستاف لوبون عن العالم المسلم الزهراوي قائلاً: " أشهر جراحي العرب، ووصف عملية سحق الحصاة في المثانة على الخصوص، فعُدَّت من اختراعات العصر الحاضر على غيرِ حق".
وكما جاء في دائرة المعارف البريطانية يعد أشهر من ألف في عالم الجراحة عند المسلمين، وهو أول من استخدم ربط الشريان لمنع النزيف.
ومن أهم إسهامات الزهراوي أيضًا أنه يعتبر أول من وصف عملية القسطرة، وأول من أجرى عمليات صعبة في شق القصبة الهوائية، وابتكر الزهراوي آلة دقيقة جدا لمعالجة انسداد فتحة البول الخارجية عند الأطفال حديثي الولادة؛ لتسهيل مرور البول، كما نجح الزهراوي في إزالة الدم من تجويف الصد، ومن الجروح الغائرة كلها بشكل عام.
ويعد الزهراوي أول من نجح في إيقاف نزيف الدم أثناء العمليات الجراحية، وذلك بربط الشرايين الكبيرة، وسبق بهذا علماء الغربيين في مجال الطب بستمائة عام، كما أنه أول من صنع خيط لخياطة الجراح واستعملها في جراحة الأمعاء، وصنعها من أمعاء القطط، وأول من مارس التخييط الداخلي بإبرتين وبخيط واحد مثبت فيهما؛ لكي لا يترك أثرا، وأطلق علي هذا اسم «إلمام الجروح تحت الأدمة»، وهو من طبق في كل العمليات التي كان يجريها في النصف السفلي للمريض، ورفع حوضه ورجليه قبل كل شيء.
والكثير لا يعلم أن الزهراوي يعد أول من فكر في الطباعة في العالم، فلقد خطا الخطوة الأولى في صناعة الطباعة، وسبق بها الألماني يوحنا جوتنبرج بعدة قرون، وقد سجل الزهراوي فكرته عن الطباعة ونفذها في المقالة الثامنة والعشرين من كتابه الفذ «التصريف»، في الباب الثالث من هذه المقالة.
ولا يتركنا الزهراوي حتى يصف لنا كيفية صنع أقراص الدواء، وطريقة صُنع القالب الذي تُصب فيه هذه الأقراص أو تحضر مع طبع أسمائها عليها في الوقت نفسه باستخدام لوح من الأبنوس أو العاج مشقوق نصفين طولا، ويُحفر في كل وجه قدر غلظ نصف القرص، وينقش على قعر أحد الوجهين اسم القرص المراد صنعه، مطبوعًا بشكل معكوس، فيكون النقش صحيحًا عند خروج الأقراص من قالبها؛ وذلك منعًا للغش في الأدوية، وإخضاعها للرقابة الطبية.
قدم لنا الزهراوي وصفًا لعملية «سل العروق من الساق لعلاج دوالي الساق»، والعرق المدني واستخدمها بنجاح.
وللزهراوي إضافات مهمة جدًّا في علم طب الأسنان، وقد أفرد لهذا الاختصاص، شرح فيه كيفية قلع الأسنان بلطف، وأسباب كسور الفك أثناء القلع، وطرق استخراج جذور الأضراس، وطرق تنظيف الأسنان، وعلاج كسور الفكين، والأضراس النابتة في غير مكانها، وبرع في تقويم الأسنان.
أما السرطان وعلاجه فهو من أهم الأمراض التي شغلت عقل الزهراوي وفكره، فأعطى لهذا المرض الخبيث وصفًا وعلاجًا بقي يُستعمل خلال العصور حتى الساعة، بل ولازال الأطباء حتى الآن يستفيدون مما قدمه العالم المسلم الزهراوي.
وتكلم الزهراوي عن طب النساء والتوليد، فوصف طرق التوليد، وطرق تدبير الولادات العسيرة، وكيفية إخراج المشيمة الملتصقة، والحمل خارج الرحم، وطرق علاج الإجهاض، وابتكر آلة خاصة لاستخراج الجنين الميت، وهو أول من استعمل آلات خاصة لتوسيع عنق الرحم، وأول من ابتكر آلة خاصة للفحص النسائي ولا تزال هذه الآلات مستخدمه إلى يومنا هذا.
وهذه بعض من أهم ابتكارات العالم المسلم الزهراوي التي سبق بها العديد من علماء العالم وما زالت تستخدم حتى الآن في المجالات الطبية، وكان لديه دستورًا يشمل على مجموعة من النصائح لتلامذته في التريث قبل إجراء الجراحة، وألا يقوموا بها ما لم يكونوا مُلمِين بصغائر الأمور وكبائرها في التشريح واستعمال الأدوات الجراحية، فيقول الزهراوي في كتابه «التصريف لمن عجز عن التأليف»: " ينبغي لكم أن تعلموا أن العمل باليد في علم الجراحة ينقسم قسمين عمل تصحبه السلامة، وعمل يكون معه العطب في أكثر الحالات، وقد نبهت في كل مكان يأتي من هذا الكتاب على العمل الذي فيه ضرر وخوف، فينبغي أن ترفضوه وتحذروه؛ لئلاّ يجد الجاهل إلى القول والطعن، فخذوا لأنفسكم بالحزم والحيطة، ولمرضاكم بالرفق والتنبيه، واستعملوا الطريق الأفضل المؤدي إلى السلامة والعاقبة المحمودة، وتنكبوا الأمراض الخطرة العسرة البراء، ونزهوا أنفسكم عما تخافون أن يدخل عليكم الشبهة في دينكم ودنياكم، فهو أبقى لجاهكم وأرفع في الدنيا والآخرة لأقداركم".
في النهاية نجد أن أبا القاسم الزهراوي لم يكن مجرد طبيب عادي، بل كان مهندسًا طبيبًا عبقرياً، وضع الأسس الأولى لعلم الجراحة الحديثة، من خلال كتابه «التصريف لمن عجز عن التأليف»، فنقل الجراحة من مجرد ممارسة عشوائية إلى علم دقيق يعتمد على التشريح والابتكار، مُخلفاً إرثاً من الآلات والأدوات كخيوط الجراحة من أمعاء الحيوانات التي استخدمتها أوروبا لقرون، إن دراسة حياة الزهراوي هي رحلة في فكر حضارة إسلامية صاغت أسس الطب التجريبي، وتظل إنجازاته منارة تلهمنا للعودة إلى درب الابتكار.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك