«نيويورك بوست»: «كييف» تتبنى «الحرب الذكية» التي تعتمد على التكنولوجيا لتعويض نقص الموارد التقليدية.
و«الكرملين» يواجه مأزقاً بلا حلولفي تحول لافت يعكس طبيعة الحروب الحديثة، كشفت صحيفة «نيويورك بوست»، في تقرير لها، أن الحرب التي أطلقها الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، ضد أوكرانيا، قبل أكثر من أربع سنوات، لم تؤدِّ إلى تحقيق أهدافها الاستراتيجية، بل ساهمت بشكل غير مباشر في تعزيز قوة عسكرية أوكرانية متطورة، تعتمد على التكنولوجيا والأنظمة غير المأهولة، في مشهد يعيد رسم ملامح الصراع العسكري في القرن الحادي والعشرين.
وبحسب التقرير، فإن موسكو التي كانت تتوقع حسم المعركة خلال أيام قليلة، تجد نفسها اليوم في مواجهة «آلة عسكرية ذكية» قادرة على إلحاق خسائر بشرية ومادية كبيرة بالقوات الروسية، دون الحاجة إلى نشر أعداد كبيرة من الجنود على خطوط المواجهة، وهو ما يمثل تحولاً نوعياً في تكتيكات القتال.
وفي هذا السياق، أعلن الرئيس الأوكراني، فولوديمير زيلينسكي، أن قوات بلاده نجحت، لأول مرة في التاريخ، في السيطرة على موقع عسكري مُعادٍ باستخدام أنظمة غير مأهولة بالكامل، دون تدخل مباشر من المشاة، وهو إنجاز وصفه مراقبون بأنه سابقة عسكرية غير مسبوقة، تعكس التطور الكبير في قدرات أوكرانيا التكنولوجية.
ويشير التقرير إلى أن هذه العملية لم تكن مجرد حدث معزول، بل تأتي ضمن استراتيجية أوسع تعتمد على استخدام الطائرات المسيَّرة والأنظمة الروبوتية في تنفيذ العمليات القتالية، حيث شاركت هذه الأنظمة في أكثر من 22 ألف مهمة على خطوط المواجهة خلال الأشهر الثلاثة الماضية فقط، ما ساهم في تقليل الخسائر البشرية في صفوف القوات الأوكرانية، وفي الوقت ذاته إبطاء تقدم القوات الروسية بشكل ملحوظ.
ويرى محللون أن هذا التحول لم يكن خياراً ترفيهياً بالنسبة لأوكرانيا، بل فرضته ظروف الحرب، في ظل الفارق الكبير في الإمكانات البشرية والعسكرية بينها وبين روسيا، ما دفع «كييف» إلى تبنِّي نموذج «الحرب الذكية» التي تعتمد على التكنولوجيا لتعويض النقص في الموارد التقليدية.
في المقابل، يلفت التقرير إلى أن ردود الفعل الروسية لم ترتقِ إلى مستوى هذا التطور، حيث اعتمدت موسكو على أساليب تقليدية لتعويض خسائرها، من بينها الدفع بالمجندين والسجناء والمرتزقة إلى جبهات القتال، في محاولة للحفاظ على زخم العمليات العسكرية، وهو ما يعكس، بحسب التقرير، غياب رؤية استراتيجية قادرة على التعامل مع التغيرات المتسارعة في طبيعة الحرب.
كما أشار التقرير إلى أن روسيا لجأت إلى استقطاب مقاتلين من دول نامية عبر وسائل مختلفة، قبل إرسالهم إلى خطوط المواجهة، وهو ما يثير تساؤلات حول كلفة الحرب البشرية، ومدى استعداد الكرملين لمواصلة هذا النهج في ظل الخسائر المتزايدة.
ورغم النجاحات التي حققتها أوكرانيا، يؤكد التقرير أن «كييف» لا تزال بحاجة إلى دعم مستمر من حلفائها الغربيين، سواء على المستوى العسكري أو الاقتصادي، لمواصلة صمودها في مواجهة قوة كبرى مثل روسيا، إلا أن ما تحقق حتى الآن يعكس قدرة الدولة الأصغر على فرض معادلات جديدة في ميدان القتال.
ويخلص التقرير إلى أن الحرب الروسية الأوكرانية لم تعد مجرد صراع تقليدي على الأرض، بل تحولت إلى ساحة اختبار لتقنيات عسكرية متقدمة، قد تحدد شكل الحروب المستقبلية، في ظل تزايد الاعتماد على الذكاء الاصطناعي والأنظمة غير المأهولة.
وفي ضوء هذه المعطيات، يبدو أن التحدي الأكبر الذي يواجه موسكو لا يقتصر على تحقيق تقدم ميداني، بل يمتد إلى كيفية التعامل مع واقع عسكري جديد لم تكن مستعدة له، حيث تجد نفسها أمام خصم نجح في تحويل نقاط ضعفه إلى عناصر قوة، مستفيداً من الابتكار التكنولوجي والدعم الدولي.
وبينما تستمر المعارك على الأرض، تظل المؤشرات الحالية ترجح أن الصراع دخل مرحلة أكثر تعقيداً، عنوانها الأبرز «التفوق التكنولوجي»، وهو العامل الذي قد يحسم موازين القوى في النهاية، في وقت لا تزال فيه روسيا تبحث عن استراتيجية فعالة للخروج من هذا المأزق المتصاعد.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك