في ظاهر الحدث، قد يبدو الأمر مجرد بيان مشترك وقعته أستراليا وبروناي دار السلام بشأن أمن الطاقة والغذاء خلال زيارة رئيس الوزراء الأسترالي أنتوني ألبانيزي إلى بندر سري بكاوان ولقائه سلطان بروناي حاج حسن البلقية.
غير أن هذا المشهد الهادئ يخفي تحولاً أوسع، إذ إن التوترات في الشرق الأوسط، ولا سيما عند مضيق هرمز، لم تعد شأنًا بعيدًا عن جنوب شرق آسيا، بل صارت عاملًا يوميًّا يعيد رسم خرائط الإمداد من الوقود إلى الأسمدة ثم الغذاء.
وهكذا لا تبدو بروناي دولة صغيرة على الهامش، بل عقدة دقيقة في شبكة عالمية مترابطة، يكفي أن يهتز خيط فيها حتى يرتجف النسيج كله.
ومن هذه الزاوية تحديدًا تكتسب بروناي أهميتها.
فالدولة الواقعة في شمال جزيرة بورنيو ليست اسمًا متداولا كثيرًا في النقاش العام العربي، لكنها مورّد ملموس لاقتصاد متقدم مثل أستراليا؛ إذ توفر 9 % من وارداتها من الديزل و11 % من وارداتها من اليوريا المخصصة للأسمدة، بينما تعد أستراليا موردًا رئيسًا للغذاء والمنتجات الزراعية لبروناي.
هذه الأرقام تقول شيئًا بسيطًا وعميقًا في آن واحد وهو أن الأمن الغذائي لا يبدأ من الحقول فقط، بل من الموانئ، ومن المصانع، ومن قدرة الدول على حماية التدفقات قبل أن تصل الأزمة إلى رفوف المتاجر.
ومن هنا يغدو البيان أكثر من مجاملة دبلوماسية، لأنه نص صراحة على ضمان تدفق السلع الأساسية، من الديزل والنفط الخام إلى السلع الزراعية ومدخلات الإنتاج مثل اليوريا، مع تجنب القيود غير المبررة على التجارة والتشاور عند أي اضطراب.
هذه ليست لغة بروتوكول، بل لغة تحوّط وإدارة مخاطر، توحي بأن السوق وحدها لم تعد كافية، وأن حرية التجارة نفسها تحتاج اليوم إلى مظلة سياسية تحرسها.
ولهذا يحمل الحدث معنى اجتماعيًّا لا يقل عن معناه الاقتصادي، لأن أي توتر في الشرق الأوسط، ينعكس سريعًا على كلفة الوقود والنقل والإنتاج والغذاء، ثم يتسرب إلى حياة الناس عبر فاتورة الأسرة وسعر الخبز وقلق الطبقة الوسطى.
ومن هذا المنظور، بدا حديث أنتوني ألبانيزي عن تهدئة التوتر واستئناف الحوار الأميركي-الإيراني اعترافًا بأن الجغرافيا السياسية باتت تمس المعيشة اليومية مباشرة.
ومن هذا المعنى يمكن لدول الخليج أن تقرأ بروناي جيدًا، فالعبرة ليست في كبر الدولة بل في نوع موقعها داخل سلسلة الإمداد.
وبروناي هنا تقدم درسًا هادئًا، إذ تستطيع الدولة التي تدرك مكانها في معادلة الطاقة والغذاء أن تحول صغرها إلى وزن، وهدوءها إلى نفوذ، وعلاقاتها الثنائية إلى شبكة أمان.
وبين الخليج وجنوب شرق آسيا مجال واسع للتعاون في الوقود والبتروكيماويات والأسمدة والأمن البحري والدبلوماسية الوقائية.
وفي زمن الاضطراب، لم تعد القوة في امتلاك المورد فقط، بل في ضمان وصوله.
* صحافي وكاتب إندونيسي، مهتم بشؤون منطقة جنوب شرق آسيا، مقيم في كوالالمبور.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك