الأزمة الإيرانية، بتشابكاتها مع الولايات المتحدة وإسرائيل، لم تكن مجرد نزاع ثنائي، بل معادلة إقليمية مفتوحة على احتمالات الانفجار في الخليج ولبنان والبحر الأحمر، وهو ما استدعى تدخلاً من نوع مختلف، تدرك فيه القاهرة أن الحفاظ على التوازن ليس خياراً سياسياً فقط، بل ضرورة وجودية للأمن القومي العربي.
منذ اللحظات الأولى لتصاعد التوتر، تحركت مصر وفق هندسة دقيقة تقوم على استباق التصعيد لا ملاحقته، حيث كثفت قنوات الاتصال مع مختلف الأطراف، ليس فقط عبر المسارات الرسمية، بل أيضاً من خلال قنوات خلفية ذات طابع أمني واستخباراتي.
هذا النمط من التحرك، الذي يجمع بين العلنية والانضباط، أتاح للقاهرة القدرة على نقل رسائل مركبة، تحمل في ظاهرها دعوات التهدئة، وفي باطنها خطوطاً حمراء واضحة تتعلق بعدم السماح بانزلاق الإقليم إلى مواجهة شاملة.
أحد أهم العوامل التي حالت دون اتساع رقعة المواجهة كان وجود قنوات اتصال نشطة وغير معلنة بين الأطراف المتصارعة، وهو ما لعبت فيه مصر دوراً محورياً، سواء بشكل مباشر أو عبر دعم وساطات إقليمية ودولية.
شاركت القاهرة، وفقاً لتقديرات دبلوماسية، في عشرات جولات التنسيق والاتصال، شملت عواصم القرار في الخليج وأوروبا، إلى جانب تنسيق مستمر مع الأمم المتحدة، ما ساهم في بناء شبكة أمان سياسية حالت دون الانفجار الكامل.
في الساحة اللبنانية، حيث كانت احتمالات الاشتعال أكثر واقعية، عملت مصر على تثبيت ما يمكن تسميته بقواعد الاشتباك المقيد، وهو مفهوم يقوم على السماح بحد أدنى من الردود العسكرية دون تجاوز عتبة الحرب الشاملة.
هذا الدور لم يكن سهلاً، إذ تطلب موازنة دقيقة بين ضغوط متعارضة، لكنه نجح في تقليص وتيرة العمليات، وساهم في تراجع نسبي في حدة الاشتباكات خلال فترات التهدئة، بالتوازي مع تحركات دبلوماسية مكثفة قادتها أطراف من بينها مصر.
أما فيما يتعلق بالدور العسكري والأمني، فقد تبنت القاهرة ما يمكن وصفه بعقيدة الردع الهادئ، حيث رفعت من جاهزيتها دون الانزلاق إلى استعراضات قد تُفسر كتصعيد، عززت مصر انتشارها البحري في البحر الأحمر، ورفعت مستوى التأهب في مناطق حيوية، إدراكاً منها لخطورة تهديد خطوط الملاحة، خاصة في ظل مرور نحو 12% من التجارة العالمية عبر قناة السويس، كما عملت الأجهزة الأمنية على تحصين الجبهة الداخلية، في ظل إدراك أن الحروب الحديثة لا تُدار فقط على الحدود، بل أيضاً عبر أدوات غير تقليدية تستهدف استقرار الدول من الداخل.
في الخليج، كان الموقف المصري أكثر وضوحاً في دعمه لاستراتيجية ضبط النفس التي تبنتها دول مجلس التعاون في مواجهة الاستفزازات الإيرانية، وهذا الدعم لم يكن مجرد اصطفاف سياسي، بل ترجمة عملية لفهم عميق لطبيعة الصراع، حيث إن أي رد فعل غير محسوب كان كفيلاً بإشعال مواجهة واسعة النطاق.
ولعبت القاهرة دوراً في تنسيق المواقف الخليجية، سواء عبر القنوات الثنائية أو من خلال أطر العمل العربي المشترك، ما ساهم في إنتاج موقف متماسك حال دون انجرار المنطقة إلى حرب مفتوحة.
واحدة من أكثر النقاط حساسية في إدارة الأزمة كانت التعامل مع معادلة الرد بين إيران وإسرائيل، خاصة خلال فترات الهدنة الهشة، هنا برز الدور المصري في تمرير رسائل تهدئة غير مباشرة إلى طهران، تدعو إلى عدم توسيع نطاق الرد، مقابل ضغوط موازية على الجانب الإسرائيلي لتقليص عملياته في لبنان، وهذا التوازن الدقيق، الذي قد يبدو غير مرئي في ظاهره، كان له أثر مباشر في منع تزامن جبهات الاشتعال، وهو ما يعد أحد أهم عوامل احتواء الأزمات المركبة.
اقتصادياً، لم يكن التحرك المصري بمعزل عن حسابات التكلفة والعائد، فالتقديرات الصادرة عن صندوق النقد الدولي تشير إلى أن أي تصعيد إقليمي واسع كان سيؤدي إلى ارتفاع أسعار النفط بنسبة تتراوح بين 20 و30%، مع انعكاسات مباشرة على معدلات التضخم وسلاسل الإمداد العالمية، كما أن اضطراب الملاحة في البحر الأحمر كان سيكلف الاقتصاد العالمي مليارات الدولارات أسبوعياً، من هذا المنطلق، فإن الدور المصري في حماية استقرار الممرات البحرية لم يكن فقط خدمة للأمن القومي، بل مساهمة في استقرار الاقتصاد العالمي.
الأهم من ذلك أن القاهرة أدركت مبكراً أن إدارة الأزمة لا تعني فقط احتواء التصعيد، بل أيضاً خلق مسارات بديلة للحل.
لذلك عملت على دعم أي مبادرات تهدف إلى إعادة فتح قنوات التفاوض، سواء بشكل مباشر أو عبر وسطاء.
هذا الدور، الذي يتسم بطابع تراكمي، ساهم في رفع فرص التهدئة، حيث تشير تقديرات تحليلية إلى تحسن نسبي في مؤشرات خفض التصعيد عقب تكثيف التحركات المصرية.
في قراءة أعمق، يمكن القول إن ما قامت به مصر يعكس تحولاً في مفهوم الدور الإقليمي، من مجرد التفاعل مع الأزمات إلى إعادة تشكيل بيئتها.
فالقاهرة لم تسع فقط إلى إطفاء الحرائق، بل إلى منع اندلاعها من الأساس، عبر بناء توازنات دقيقة، وإدارة خطوط الاتصال، وتحييد عوامل التفجير، وهذه المقاربة، التي قد تبدو بطيئة في ظاهرها، هي في الواقع الأكثر فاعلية في بيئة إقليمية معقدة، حيث تؤدي القرارات المتسرعة إلى نتائج كارثية.
يبقى أن نشير إلى أن هذا الدور لم يكن ليتحقق لولا امتلاك مصر لمزيج فريد من الأدوات، يجمع بين الثقل السياسي، والقدرة الأمنية، والمرونة الدبلوماسية، إلى جانب شبكة علاقات متوازنة مع أطراف متناقضة، وهذه العوامل مجتمعة جعلت من القاهرة طرفاً قادراً على التحرك في المساحات الرمادية، حيث تفشل الأدوات التقليدية.
في النهاية، فإن ما أنجزته مصر حتى الآن لا يعني أن الأزمة قد انتهت، لكنه يؤكد أن هناك قدرة حقيقية على إدارة المخاطر، وتأجيل الانفجار، وفتح نوافذ للحل، وفي إقليم يزداد تعقيداً يوماً بعد يوم، تصبح هذه القدرة هي الفارق بين دولة تكتفي برد الفعل، وأخرى تصنع الفعل وتعيد توجيهه.
ومصر، في هذه الأزمة، كانت من الفئة الثانية، تكتب بهدوء قواعد التهدئة في زمن الاشتعال، وتعيد رسم حدود الممكن في واحدة من أخطر لحظات الإقليم.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك