كثيرة هي قصص العشاق في الأندلس، وقد ورد الكثير منها في كتاب أبي محمد علي بن أحمد بن حزم «طوق الحمامة في الألفة والآُلاف» الذي شاءت الأقدار أن يكون أول موسوعة عربية يُفردها فقيه إسلامي عن الحب في الحضارة الإسلامية جمعاء، ولا شك أن أشهر قصص الحب الأندلسية كانت قصة الحب الخالدة بين الوزير أبي الوليد بن زيدون والأميرة ولادة بنت المستكفي، تلك القصة التي انبهر بها الإسبان فأقاموا لأجلها نصبًا تذكاريًا للحب في أحد ميادين قرطبة.
لكن اليوم سنترك قرطبة، العاصمة الأندلسية العظيمة، وننتقل إلى حاضرة أخرى وعاصمة من عواصم الإسلام في الأندلس، إلى قصور مدينة إشبيلية الشامخة، حيث يمتزج عبق الياسمين بماء الورد، تبدأ حكاية عشق لم تعرف الأندلس لها مثيلاً.
إنها حكاية المعتمد بن عباد (431–488 هـ / 1040–1095م)، الملك الشاعر الذي ألقى بزمام أمره في كفّ جارية هي اعتماد الرميكية، تحولت إلى سيدة القصر، التي ضاقت بنعيم القصر وما به من رفاهية وتطلعت ذات يوم إلى بائعات اللبن، وهن يغمسن أقدامهن في طين نهر الوادي الكبير، فشكت لمليكها هذا الأمر، فصنع لها الطين لكنه لم يكن كأى طين، بل كانت أرضية مُعطرة بالمسك والكافور، لتلهو فيه اعتماد مع جواريها، محققة رغبة غريبة، ومسجلة لحظة ستبقى خالدة في الذاكرة الأندلسية.
لم يكن «يوم الطين» مجرد لحظة عابرة في تاريخ قصور الأندلس خلال عصر ملوك الطوائف إبان القرن الخامس الهجري/ الحادي عشر الميلادي، بل كان تجسيدا لجنون الحب، حيث تحول البذخ إلى تحقيق ليلة من ألف ليلة.
إن «يوم الطين» يجسد باختصار قصة اعتماد الرميكية، تلك الجارية التي سحرت ملك الأندلس فسمى نفسه باسمها «المعتمد»، ومن يوم خفق فيه قلب الملك وهي تغسل ملابسها في النهر إلى عرش قلب أعظم ملوك الطوائف، في إشبيلية عروس الأندلس حيث يمر نهر الوادي الكبير بين البساتين والقصور، كان القدر يخبئ أعظم مفاجأة لملك المستقبل.
كانت اعتماد جارية لأحد ثراة إشبيلية، وهو الرميك بن الحجاج، ولذلك كانت تُدعى «الرميكية»، حيث وقع في حبها المعتمد بن عباد بسبب حُسن منطقها وسرعة بديهتها، فتزوجها وأصبحت أم أولاده، ولقبب نفسه بالمعتمد ليكون اسمه الملكي مشتقًا من اسمها، وكانت الرميكية ذات تأثير كبير على المعتمد، وكان حبه لها حُبًا جمًا يحرص فيه على إرضائها وتلبية أدق رغباتها.
البداية حين كان محمد بن عباد ولي عهد إشبيلية، وكان شاعرًا رقيقًا يخالف طبيعة أبيه المعتضد الذي كان يجعل من جماجم أعدائه أصصًا لزراعة النباتات، وذات يوم كان يتنزه في أحد أيام الربيع مع صديقه الشاعر أبو بكر بن عمار، فنظر إلى الماء المتماوج تحت الريح، فقال بيتًا شعريًا لم يكمله: «صنع الريح من الماء زرد» أي أن الرياح جعلت من الماء ما يشبه حديد دروع القتال، وطلب من ابن عمار، وهو شاعر لا يُجاري أن يُكمل له البيت، ولكن الشاعر وقف حائراً عاجزاً عن الإتيان بالشطر الثاني، وفجأة قطعت الصمت فتاة كانت تغسل الملابس على ضفة النهر، رفعت رأسها وقالت بثقة:لم يُصدق ابن عباد ما سمعه، جارية تغسل الملابس تجيز بيتًا شعريًا عجز عنه أديب؟ ، اقترب منها ونظر إلى وجهها، فبهره جمالها، فلم يرَ في الدنيا كلها أجمل منها، سأل عنها فقيل إنها جارية لرجل اسمه الرميك بن الحجاج، اسمها اعتماد، وذهب ابن عباد فوراً إلى صاحبها واشتراها وأعتقها ثم تزوجها.
اعتماد الرميكية من جارية إلى ملكةبعد أن تولى الحكم غير ملوك الأندلس ألقابهم، ولكن ابن عباد لم يختر لقباً من عظمة آبائه، ا ختار لقبًا مستمدًا من اسم زوجته، كان يٌعرف في البداية بــ" المؤيد بالله"، فغيره إلى المعتمد على الله، تيمنًا باسمها اعتماد، وفي هذا يقول في إحدى قصائده:أَغائِبَةَ الشَخصِ عَن ناظِري وحاضرة في صميم الفؤادعليك السلام بقدر الشجون ودمع الشؤون وقدر السُّهادتملكت مني صعب المرامي وصادفت ودي سهل القيادمُرادي لقياك في كل حين فيا ليت أنّي أعطى مُراديأقيمي على العهد الذي بيننا ولا تستحيلي لطول البعاددسست اسمك الحلو في طيّ شعري وألفت فيه حروف اعتمادوهكذا لم تعد اعتماد زوجة حاكمة، بل جزءا من هويته الملكية، كان المعتمد لا يرد لاعتماد طلباً، مهما كلفه الأمر، وفي يوم من أيام الشتاء، سقط الثلج نادراً في قرطبة، نظرت اعتماد إلى الندف البيضاء المتساقطة على أغصان الأشجار وبكت غسألها المعتمد عن سبب بكائها، فقالت" إنك طاغية جبار غشوم! انظر إلى جمال هذا الثلج، وأنت لا تخطر ببالك أن توفر لي هذا المنظر كل شتاء"، لم يغضب الملك بل ابتسم قائلا: " لا تحزني يا سلوة النفس، إني أعدك وعدا صادقا أنك سترين هذا المنظر كل شتاء"، ثم أمر بزرع آلاف أشجار اللوز على جبال قرطبة، وعندما تتفتح أزهارها البيضاء في الربيع، كانت تبدو من بعيد كأنها ثلوج دائمة؛ تلبية لرغبة زوجته.
أما أغرب قصص حبه لها، فكانت" يوم الطين" حينما اشتاقت اعتماد إلى أيامها البسيطة كجارية عندما كانت تمشي حافية على الطين دون أن ينظر إليها أحد و قالت للمعتمد" اشتقت لأمشي على الطين كما كنت أفعل"، وكانت قد رأت بائعات اللبن من قصرها وهن يغمسن أقدامهن وينتقلن كالفراشات بينما يبعن اللبن، فأمر المعتمد بأن يٌسحق المسك والعنبر والكافور، ويٌخلط بماء الورد والزهر والحناء، ويٌفرش في ساحة القصر ليكون طيناً معٌطراً تخوض فيه اعتماد وجواريها، لقد تحققت أمنيتها وكلفها خزينة الدولة آلاف الدنانير! ، حتى صارت هذه القصة مما يتسامر به الرعية في مجالسهم الليلية.
من قصور الذهب إلى قبر بجانبهالكن الأيام لا تبقى على حال، وسقطت إشبيلية حاضرة ملك المعتمد بن عباد في يد المرابطين عام 484هـ/ 1091م، وسُجن المعتمد واعتماد وأولادهما، ونُفوا إلى مدينة أغمات في وسط المغرب.
وهناك بعيداً عن القصور والخدم عاشا في منزل متواضع تحت الإقامة الجبرية، وفي يوم من أيام الخلاف، غضبت اعتماد على زوجها وقالت كحال أغلب الزوجات وقت الغضب من أزواجهن: " والله ما رأيتُ منك خيراً قط"، فنظر إليها المعتمد بنظرة خذلان عميق، وقال كلمته الخالدة" ولا يوم الطين؟ ! ".
خجلت اعتماد واعتذرت وقبلت يديه وقدميه، لكن تلك الكلمات بقيت عبر التاريخ مضرب المثل.
توفيت اعتماد في المنفى سنة488هـ/ 1095م حزينة مكسورة، لم يستطع المعتمد العيش بدونها، فمات بعدها بأربعة أشهر فقط، ودفنا معا في قبر واحد، إلى جوار بعضهما في مدينة أغمات بالمغرب، وما زال ضريحهما يُزار حتى اليوم.
وهكذا خاضت اعتماد الرميكية في طين المسك والعنبر، لتخوض بعدها في طين الحياة الأندلسية المتقلبة، لتنتهي حكاية عشقهما في أغمات بعيدا عن قصور إشبيلية، ويوم الطين هو تجسيد لقصة حب أندلسية أسطورية بدأت بترف لا يوصف، وانتهت بذكريات مريرة لتثبت أن العاطفة المجردة عن الحكمة قد تؤدي إلى مآلات مأساوية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك