على غير العادة، قرأت رواية “برج الشراع “في جلسة متصلة، فرغت منها، فاكتشفت مدى ظلم النقد لكاتب ما حين نربط بين شخصه ورحلة حياته وبين إبداعه، فالكاتب محمود عرفات عاش تجربة حرب أكتوبر ضابطا احتياطيا بالجيش المصري، وكتب عن هذه السنوات البهية رواية كاملة هي ” سرابيوم” وفي روايته الأولى “مقام الصبا” 2002م نجد بعض أصداء الحرب، ولكن وسط إبداعاته تخرج روايته الأخيرة “برج الشراع” متوجهة نحو الواقع العام، منفصلة تماما عن حروب الخارج، لحروب الداخل.
الرواية تدور على لسان أستاذ جامعي، يدرِّس اللغة الإنجليزية، بعد حصوله على الدكتوراه من إنجلترا، وعبر رحلة عمل في الخارج يعود مرتبطا بفتاة إنجليزية (آن) والتي عاشت معه في قريته في الفيلا التي بناها له صديقه المهندس على هواه ورغباته التي تأثرت قليلا بحياته بين الإنجليز، وبين حنين للماضي، للأم وللأب وللأجداد، ويسجل الكاتب بدقة شديدة عادات الزمن القديم، ومدى قرب الناس ومحبتهم، في مقابل حياته الحالية محتضنا الوحدة والخوف من الجيران، لدرجة التفكير في عرض مواجعه على كافة مسئولي الدولة، ولا يجد وسيلة سوى هدم جزء من الفيلا وتحويلها لبرج يشبه الأبراج المحيطة به، الرواية منمنمة مكتوبة بصبر ورؤية وبصيرة، مناقشة التغيرات التي طرأت على الناس والمجتمع من خلال رمز ذكي، الفيلا التي يجب أن تتحول إلى برج…الجمال الذي لابد أن يصير مشروعا، القسوة والنصب والتسيب والإهمال وعدم التخطيط لأي شيء، فصله من الجامعة وعودته لها، معارك جيرانه ضده…في مقابل عالم آخر – إنجلترا – كل شيء يسير بأسلوب معد ومنفذ سلفاتحمل الرواية سمات تجعلها راسخة مستحقة للفوز بالمركز الأول في مسابقة باشراحيل، وتفاصيلها الكثيرة البديعة، علاقات الحب الأولى، طبيعة الفلاح وخجله، عشق المصري لقريته وحبه لأهله، لغة منمنمة بذكاء وخبرة، يقدم الموضوعات الكبيرة بلغة يسيرة، حين قررت زوجته الإنجليزية مغادرة القرية والعودة لبلادها، يفكر الزوج: لماذا غادرت، ويتساءل: “كـان الخـلاف الفكـري هـو السـبب؟ عنـدما أصـدرت كتـابي عــن أســاطير اليهــود ناقشــتني كثيــرا، لم تتقبل فكرة مناقشة العهد القديم بمعايير النقد الحديثة، وامتعضت من إصراري على عرض الروايات المتناقضة للحكاية الواحدة، وحينما انتهيت من كتابي عن المسيحية، اعترضت صراحة على منهجي في التحليل والعرض” ص67نحن أمام كاتب يكتب عما يعرف، ويكتب بموضوعية وصبر وبلغة محايدة عميقة معبرة، إنه يقدم خلاصة الرؤيا في صبر وفنية بديعة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك