تآكل مفهوم" الدولة" في الوعي الجمعي اللبناني بعد الحرب الأهلية التي انتهت في الميدان عام 1990.
فبجانب الدمار المادي والبشري، تسببت الحرب بانهيار الثقة في الدولة كمرجع وضامن للعدالة، وتحولت هيبتها من كيان سياسي كان يُفترض أن يحمي الجميع إلى أزمة ثقة تغلغلت في أدق تفاصيل الحياة اليومية للمواطن.
فحين تقاسمت الميليشيات الأرض والناس والمرافئ والطرقات والأحياء وتكررت مشاهد الخطف على الهوية، والقصف، والعبور بين المناطق، والتعامل مع سلطات أمر واقع متعددة، نشأ جيل كامل وهو يختبر السلطة بوصفها سلطات متفرقة ومتنافسة لا دولة واحدة.
من المواطن إلى ابن الطائفةدفعت الحرب الناس إلى إعادة تعريف علاقتهم بالمجال العام.
ففي الظروف العادية، يفترض المواطن أن حقوقه تأتيه عبر مؤسسات الدولة، وأن انتماءه القانوني هو الأساس.
أما في الحرب، فقد صار الانتماء الأول هو الانتماء الذي يوفر النجاة المباشرة: الطائفة، الحزب، الزعيم، الحي، شبكة القرابة.
ومع الزمن، ترسخت فكرة شديدة الخطورة: أن الدولة ليست بيت الجميع، وإنما ساحة تتنافس فيها الجماعات على الحصص والمواقع والقدرة على التحكم.
وبدت الوظيفة العامة، عند قطاعات واسعة، امتدادًا للنفوذ الطائفي أكثر من كونها خدمة للمصلحة العامة.
فبالإضافة إلى تدمير المؤسسات، أضعفت الحرب الخيال المدني المشترك.
الدولة كختم ورقة لا كحياة يوميةبعد الحرب، عادت مؤسسات الدولة شكليًا إلى العمل، وعاد العلم اللبناني إلى الرفرفة فوق الإدارات والثكنات، وعادت اللغة الرسمية عن الإعمار والوحدة واستعادة المؤسسات.
لكن عودة الشكل لم تعنِ دائمًا عودة المعنى.
في الحياة اليومية، تعلم اللبنانيون سريعًا أن الدولة قد تكون موجودة على الورق وغائبة في التجربة الفعلية.
يحصل المواطن على أوراقه الرسمية من الدوائر المختصة، لكنه يبحث عن الكهرباء لدى صاحب المولد، وعن الماء من الصهريج، وعن الحماية عبر الجهة النافذة، وعن العلاج أحيانًا عبر جمعية أو حزب أو تبرع، وعن العدالة عبر علاقة أو تدخل أو تسوية.
وهنا بالتحديد حدث التحول الأعمق في المخيال اللبناني: الدولة لم تختفِ تمامًا، لكنها انكمشت إلى وظيفة إجرائية ورمزية في كثير من المجالات.
صارت جهة تمنح المستند والختم، فيما تتوزع الوظائف الحيوية الأخرى بين قوى الأمر الواقع، والقطاع الخاص، وشبكات الزبائنية، والجهات الحزبية والطائفية.
المفارقة أن الحرب لم تغادر مؤسسات ما بعد الحرب.
دخلت إليها بطريقة أخرى.
دخلت عبر المحاصصة، وعبر توزيع المواقع على أساس توازنات الجماعات، وعبر الخوف الدائم من اختلال التمثيل، وعبر تحويل كثير من القرارات العامة إلى ملفات حساسة تُقرأ بمنظار الطائفة أولًا.
لذلك، بقيت الدولة في لبنان بعد الحرب مشدودة بين منطقين: منطق المؤسسة الحديثة التي يفترض أن تعمل وفق القانون والكفاءة، ومنطق التسوية الذي يقدّم الطمأنة الطائفية على كثير من المعايير الأخرى.
وداخل هذا الشدّ المستمر، ترسخت في أذهان اللبنانيين صورة دولة لا تتحرك غالبًا إلا تحت الضغط، ولا تعمل كاملة إلا بالاستثناء، وتخضع في محطات كثيرة لحسابات الزعماء أكثر مما تخضع لاحتياجات الناس.
الدولة في المخيال: أمّ حامية أم باب مغلق؟في كثير من البلدان الخارجة من الحروب، ترتبط استعادة الدولة بإعادة بناء الثقة العامة.
في لبنان، بقي هذا المسار متعثرًا.
فصورة الدولة في المخيال لم تُرمَّم بالكامل، لأن التجربة الملموسة كثيرًا ما كانت تعيد إنتاج الخيبة.
في الوجدان اللبناني، تبدو الدولة أحيانًا مثل أب متعب، أو أم عاجزة، أو باب رسمي كبير يحتاج الدخول منه إلى وساطة.
وقد تبدو، في لحظات الانهيار، مجرد اسم ثقيل لا يسنده فعل.
لذلك تنشأ مفارقة قاسية: اللبنانيون يسخرون من الدولة، يغضبون منها، يشتكون من عجزها، لكنهم في اللحظات المفصلية يعودون إلى طلبها، لأن البديل عن الدولة ليس الراحة، وإنما مزيد من التفكك والقلق والارتهان.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك