هناك لحظة، يا صديقي، يشعر فيها الإنسان بأن الأرض التي كان يقف عليها لم تعد صلبة كما كانت.
لحظة يتسلل فيها الشك إلى منطقة كانت تبدو ثابتة ومطمئنة، كأن شيئًا في الداخل ينفجر بصمت ليخبرك أن ما كنت تؤمن به لم يعد قادرًا على حمل أسئلتك.
وهنا يبدأ السؤال الأخطر: هل نفقد إيماننا.
أم نبحث عنه من جديد؟عزيزي القارئ، المشكلة ليست في الشك نفسه، بل في الطريقة التي نخافه بها.
فالبعض يظن أن الشك ضعف، أو نقص، أو عيب، بينما الحقيقة أن الشك جزء أصيل من الرحلة الإنسانية.
الإنسان الذي لا يشك لا يرى، والإنسان الذي لا يسأل لا ينضج، وكل يقين لم يمر بنار السؤال يبقى هشًا، يتكسر عند أول صدمة.
والغريب، يا عزيزي، أن الشك لا يأتي من فراغ، بل يولد من لحظات التحول العميقة.
يأتي حين تنكسر صورة قديمة داخلنا، أو حين نكبر فجأة على مقاسات كانت مناسبة لطفولتنا الروحية.
يأتي حين نصطدم بالحياة، حين نفقد شخصًا، حين نمرّ بألم لم نفهمه، أو حين نرى ما يجعل الإيمان يبدو بعيدًا رغم أننا نحتاجه أكثر من أي وقت.
ولعلّك لاحظت، يا صديقي، أن أكثر لحظاتك صدقًا مع نفسك كانت تلك التي سألت فيها بصوت خافت: «أنا فعلًا مؤمن.
أم متمسك بشيء خوفًا من الضياع؟ ».
لكن الجميل في الأمر أن الشك ليس نهاية الرحلة، بل بدايتها.
لأن الإنسان لا يبحث بعمق إلا حين يتألم، ولا يسعى إلى المعنى إلا حين يتساءل، ولا يبني يقينًا جديدًا إلا حين يسقط يقين قديم.
وهنا يظهر الدور الحقيقي للفلسفة؛ فهي لا تمنحك إجابات جاهزة، لكنها تمنحك القدرة على احتمال الأسئلة، وعلى السير وسط العتمة بثبات، رغم أنك لا ترى الطريق كاملًا.
يا صديقي، البحث عن الإيمان في زمن الشك ليس محاولة للعودة كما كنا، بل محاولة لنصبح أكثر صدقًا مع أنفسنا.
الإيمان الذي يتشكّل داخل العواصف أقوى من الإيمان الذي يولد في الأمان.
الإيمان الذي يسقط ويتكسر ثم يقوم.
هو الإيمان الذي يبقى.
لأنك حين تعود إليه بعد رحلة شك طويلة، تعود وأنت تعرف لماذا تؤمن، وكيف تؤمن، وعلى ماذا تقوم روحك.
وفي قلب هذه الرحلة ستكتشف أنك لست وحدك.
كل البشر، مهما اختلفت ثقافاتهم وتجاربهم، مرّوا بهذه المنطقة الرمادية التي يتداخل فيها النور بالظلال.
عزيزي القارئ، لا تخف من هذا الجزء من الطريق، ولا من الأسئلة التي توقظك ليلًا، ولا من تلك الحيرة التي تجعلك تتأمل كل شيء دون أن تستقر على شيء.
هذه اللحظات ليست ضعفًا، بل مرحلة ولادة جديدة.
وقد تظن أحيانًا أن الإيمان بعيد، لكنه في الحقيقة يقترب منك كلما اقتربت من نفسك.
كلما عرفت خوفك، وعرفت رغبتك في الطمأنينة، وواجهت محدوديتك وضعفك البشري، فهمت أن الإيمان ليس فكرة، بل حاجة روحية عميقة تسكن داخلك.
وهنا تكتشف أن الإيمان لا يُفرض، ولا يُلقَّن، ولا يأتي عن طريق التقليد، بل يُبنى ببطء، كأنه شجرة تنمو على مهل في قلب العاصفة.
وفي النهاية، يا صديقي، الشك ليس عدوًا للإيمان، بل جسرًا يقود إليه.
والإنسان لا يصل إلى يقينه الحقيقي إلا عندما يملك الشجاعة ليعبر هذا الجسر دون خوف.
ابحث عن الحقيقة، اسأل، تردّد، انكسر، تأمل، لكن لا تتوقف.
لأن الإيمان الذي يولد بعد هذه الرحلة.
لا تهزّه ريح.
*****************************كاتب في السرديات الثقافية وقضايا الشرق الأوسط.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك