الأم الصغيرة: حضور لا ينتهي وخبز لم يكتمل بعدلن أحدثكم عن والد وما ولد، بل عن الأم الصغيرة التي آمنت أن تكون حضنا دافئا تأوي إليه أفئدة الضعفاء.
إنني كمن يبحث عن صورة ثانية لأم كانت تعجن الخبز في صغرها، لكنها اليوم كبيرة في حضورها، إذ إنها تحمل معاني حقيقية عن الوفاء والمحبة والعطاء، ولعل حضورها بيننا يمنحنا أمنا حين تجتاحنا الفوضى.
ولنترك الحروف تسري إيذانا منها بأن ترسم مشاعر اللقاء مع أولئك الذين سارع الغياب في التقاط أنفاسهم الأخيرة، تاركا خلفه لحظات مفعمة بالود والنقاء.
ولربما أحمل على عاتقي الارتماء في ملكوت الحقيقة، إيمانا بأن سعينا سوف يُرى، وهو حق أن يُرى في مقام عليين، حيث جنان الآبدين.
نحن أمام أبواب موصدة لعالم يطرق أفئدتنا منذ النشأة الأولى، لكننا نتغافل عنه لقصور إدراكنا له.
إنه صورة لكل ما يرتمي نحو المحبة والتفاني والمخاطرة، وكيف لا ونحن نعي جيدا أن الأم في مخاضها تستقبل حياة ثانية، حيث تنشأ في الحلية، وترسم بهجة الهدايا الصامتة؟ إنها الأم الصغيرة، عنوان عالم مفعم بالمحبة والبذل والرضا، متقلب في وجدان الحقيقة الضائعة، والمسؤوليات المتلاحقة، وحلم استكمال صناعة الخبز.
العيش بحاضر يقتات على ماض يحتضر، ومستقبل يتهافت على وأد حلمها بأن تكون مهندسة أو معلمة، قد صاغا عنوانا مشوها لتضحياتها، واسما تسرده الأحكام المسبقة كونها لا تحسن سوى صناعة الخبزحين تتركنا الأيام إلى قسوتها، ويجتاحنا الفقد والخوف من مستقبل مجهول، تنتابنا مشاعر مضطربة، وأحاسيس بالكاد تجد لها مستقرا.
فالحياة البشرية تبدأ أولا من كون العائلة ملاذا آمنا، وأقول العائلة بوصفها البيت المعمور لأفئدة تتراص خيباتها وطموحاتها على مستقبل مجهول، حيث نولد بقدر تسري خطواته إيذانا بالتغيير.
في العائلة ثمة ذوات عديدة، وأناسي يترأسون، ومن يتحكم في نظامها المالي.
إذ يقف الأب على مسار يحدد العلاقات بين أفراد العائلة وعالميها الداخلي والخارجي، بينما تتوارى الأم خلف تعبيراتها الأخلاقية والروحية في الحفاظ على مكتسبات عقد تزاوجها المبرم بين المجتمع والتاريخ والأرض.
وهذا الاقتران تنتج عنه بالضرورة عوامل ترسم ملامح نظام اجتماعي، فالأم الكبيرة إلى جانب الأبوية إنما يتناوب وجودهما وفق الضرورات والمسؤوليات المنبثقة عن ارتباطهما.
أعني أن ثمة حاجة ملحة في فهم" الفراغات" التي تملؤها الأم الصغيرة حين تعجز العائلة عن الإيفاء بواجباتها ومسؤولياتها تجاه النظام.
بعبارة أخرى، تكمن أهمية الأم الصغيرة لدى العائلة في كونها نظاما مغايرا، متمردا، ومتمرسا ماهرا، ورثت بسرعة أدبيات صناعة الخبز.
كما أنها يد مرنة تسارع لترتيب النظام وحمايته، ومواجهة مشكلاته بالحلول المستدامة.
إذ لا تعيش لذاتها، ولا تفهم معنى كينونتها داخل العائلة إلا بالمهام الموجهة إليها، وحتى مستقبلها من الدراسة واللعب والحياة خارج البيت بالكاد تجد له متنفسا، أو نافذة نحو ذكريات طفولتها، تنجيها من عذابات المسؤولية والحرمان اللذين آثرت صمتها عليهما، على أن تصنع خبزها بيديها.
هل من شيء يصنف الأم الصغيرة في العائلة إلا المسؤوليات المنوطة بها، والتي تحملتها عقب فشل العائلة في استكمال مشروعها العائلي؟ فلا معنى للسعادة عندها حين تلبس ثوب الانتماء الاجتماعي قهرا، وتخضع للإملاءات المتكررة من إخوتها.
فالعيش بحاضر يقتات على ماض يحتضر، ومستقبل يتهافت على وأد حلمها بأن تكون مهندسة أو معلمة، قد صاغا عنوانا مشوها لتضحياتها، واسما تسرده الأحكام المسبقة كونها لا تحسن سوى صناعة الخبز.
إنها كبيرة في مهمتها حين تصنع الخبز في سبيل إشباع غرائزنا وهوسنا ورغباتنا، لكنها في الوقت نفسه حدث طارئ أريد له أن يكون في هرمية الاستغلال الاجتماعي.
حين نكون في البيت، تكون الأولوية للصوت الخشن، لتنبري دونه المهام المنبثقة عن الأب الذي استند إلى مرجعيته التاريخية والاجتماعية لبسط أخلاق ومبادئ الانتماء العائلي، كونه مجنبا أو معززا للانقسامات الداخلية.
حتى إن لغة تواصل الإخوة فيما بينهم، والأبوية من جهة أخرى، تكاد تكون ضمن فضاء ملغم بالمحظور، منشغل بسردية الصعوبات الاقتصادية، والعجز المخيف عن رفض فتات الخبز الملقى إلينا في سبيل الحفاظ على أمنه الهش، بدل الركون إلى الحقيقة وأحلامنا، فنطالب بتقسيم عادل للأدوار العائلية.
من المؤلم جدا أن تكون الأم الصغيرة في مهمة خالدة تجاه تأمين مشروع العائلة، والحفاظ على البيت الذي هيمنت على أبنائه ثقافة وهويات عابرة.
فحضورها لم يكن اختيارا منها أو غيابا للأب، بقدر ما هو ترسيخ لفكرة التخلي، وفشل العقد العائلي في مساءلة المرأة عن الحياة حين تكون أثرا إنسانيا، وعن حرمان الأب رعاياه من إنسانيتهم.
فحينما استحقت لحظة التغيير التاريخية لإسقاط الخرافات والنظر إلى مستقبلنا، انبرت الأم الصغيرة مدافعة عنا ببسالة ضد قسوة الحضارة وهمجية الإخوة، وبقيت ابتسامتها تجوب ركام الموت، وهي شاهدة على خذلان العالم وتخليه عن مسؤولياته التاريخية والإنسانية.
الأم الصغيرة كانت، ولا تزال، بعطائها اللامتناهي وتضحياتها الجسام، جدارا مانعا لجور الحضارة وقيمها الإلغائيةليس الأمر متعلقا بالشرف، لتأتي معه تأويلات تكون أقرب إلى تفسيرات موجهة ومختزلة لمعنى أن تكون العائلة والبيت والأم الصغيرة فضاء مرحا لا يسع الجميع بتنوعه ورأفته، فقيمته مرتبطة بمدى استجابته للمعايير اللاإنسانية، كونها أحيانا أخلاقية وقانونية وتاريخية.
لكن ماذا عن تلك التي تمنح الذات اعترافا وجوديا؟ أقصد أن تكون الأم الصغيرة موضوعا للحرية، لا صورة مختزلة للشرف، تستدعى لإلقاء اللوم عليها بمجرد فشل المجتمع في صناعة ثقافته وهويته.
إن علاقة الأم الصغيرة بالحياة متشابكة لإفراطنا في تحميل ذاتها ما لا يفترض الرضوخ له.
فأن تدافع عن استقرار الآخرين وتحافظ على نظام الأب، وترافق إخوتها وأبناءها في مصابهم وفرحهم، التزام لا يعني بالضرورة قبوله، أو واجبا أخلاقيا جبلت عليه الأم الصغيرة، بل هو اختيار طوعي لوظائف تخلى عنها الآخرون معا، وهم يرقبون كيف تتهاوى بيوتهم جراء الاجتياح المستمر لآلة التصنيع الثقافي العابرة.
فالأم الصغيرة كانت، ولا تزال، بعطائها اللامتناهي وتضحياتها الجسام، جدارا مانعا لجور الحضارة وقيمها الإلغائية.
سأصرف النظر عن تحديد ماهية الأم الصغيرة، كونها امرأة حقيقية، أو أختا كبيرة، أو وطنا متراميا، أو عنوانا يختصر المنافي في معانيها اللامتناهية.
ليس بالضرورة أن أحدد صفتها، إذ إن حشرها في سجن المعنى هو إبادة لها، وتهجير قسري عن مضمونها، واحتقار لذاتها المتمردة والمناهضة للتمييز والعنف.
إذ يمكن لكل منا أن يتخيل دورا سينمائيا لها، لكنها في الحقيقة واقع يسرد عبارات العجز والخذلان والتضحية.
عند نهاية القصة، لن تكون عبارات الأسى والحزن تغمر المكان، حيث البيوت التي أنهكتها التفاصيل والكلمات، وذاكرة مثقلة بالحب والفقد معا، بل أطلال تعب السنين تشهد على تضحياتها، لتكمل ما بدأته منذ زمن طويل.
وفي مكان ما من مطبخها، وهي تصنع الخبز، تبقى ابتسامتها شاهدة على الرحيل.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك