في صحبة الحميد اسم الله الحميد، اسم عظيم، تلهج به الألسنة في الغدو والإبكار، ويتسيَّدُ التسابيح والأَذكار، وإذا كان قوله تعالى «اِقْرَأ» هو الكلمة الأولى وحيًا وتنزيلًا، فإنَّ كلمة «الحمد» هي الأولى تلاوةً وترتيلًا، فنحن على موعد لا يتخلف لعشرات المرات كل يوم، مع قوله تعالى: [الْحَمْدُ لِلهِ رَبِّ العَالمَيِنَ]، ثم زدْ ما شاء الله من السنن والنوافل، ثم زِدْ بعدها ما شاء الله من الأذكار في الغدو والآصال، الحمد لله الحميد المجيد، الذي ألهمنا حمده في كل حال، قيامًا وقعودًا وعلى الجنوب، ذكرًا بالألسنة، وإقرارًا بالقلوب، الحمدُ للهِ الحميدِ الذي لا يُحمدُ على مكروهٍ سواهُ، وَلا يُستغنى إِلا برضاه، الحمد لله حتى يبلغ الحمد منتهاه، وله الحمد سبحانه أن علمنا كيف نحمده ونعبده.
فقد كان بعض الجاهليّين من الموحِّدين على الحنفية، يَحارون كيف يؤدون لله العبادة، ويبذل كل منهم وُسعه واجتهاده، وقصاراهم أن ينزّهوا الله عن الشركاء، وينبذوا الأصنام وضلالات الأقوام، وكانوا ظامئين إلى خطةٍ للتعبدِ والقنوت، يُخبتون بها لذي الجبروت والملكوت.
فلا عجب أن يفتتح ربنا القرآن العظيم بالحمد، وهي منَّةٌ منه على العبد، وتمهيد لخطاب الحميد، ثم الدعاء بالهداية للصراط المستقيم، أُسوة بالمهتدين، وخلافًا للمغضوب عليهم والضالين.
ومن أقوال المفسرين وعلماء القرآن وأساطين اللغة والبيان في تفسير اسم الله الحميد، قول أبي جعفر الطبري: «وَالحميدُ الذي استوجبَ عليكم أَيّها الخلقُ الحمدَ بصنائِعِهِ الحميدةِ إليكم، وآلائِهِ الجميلةِ لديكم، فاستديموا ذلك أَيّها الناسُ باتقائه، والمسارعةِ إلى طاعتِهِ فيما يأمركم به، وينهاكم عنه».
ولابن القيم الجوزية رحمه الله، قول لافت لكل ذي لبّ، لا يخلو من الجديد البديع من دون الجميع؛ يقول رحمه الله: «الحميد هو الذي له من الصفات وأسباب الحمد ما يقتضي أن يكون محمودًا، وإن لم يحمده غيره، فهو حميد في نفسه، والمحمود من تعلق به حمد الحامدين».
وتكمن الفائدة التي اشتقّها ابن القيم من اللغة والتصريف بتفكُّره وذوقه الحصيف؛ في أنّ الحميد اسم مفعول، وبناءً عليه؛ فالحمد له أبدًا موصول، والثناء دائمًا له مقول، ووزن «فعيل» قد تفيد الفاعل، نحو قول «القدير بمعنى القادر»، وقد تكون بمعنى المفعول، نحو قول: «القتيل بمعنى المقتول»، وكذلك «الحميد بمعنى المحمود»، وهذه الصفة، بما هي عليه من المبالغة، تدل على حالة تشبه الثبات والجمود والاستدامة والصمود، فإذا قلت: إنّ الوطن عزيزٌ، فقد أفهمتَ السامع أنها صفة لا تنفكّ ولا ينتابها الشك، وكذلك هو حال تسمية الله نفسه بالحميد، فقد فهمنا من تلقاء اللفظ أنها صفة لازمة ملازمة، أبدية دائمة، والسؤال الذي ينبعث في الأذهان: ماذا لو عمي القلب وصمّ، وعمّ الجحود وطمّ، فلم يعد في البرية حامد ولا شاكر، ولم يعد على ظهر البسيطة إلا العُتلّ الفاجر؟ يقول ابن القيم: «إنّ الله حميد حتى لو لم يحمده غيره، لأنّ صفة الحمد لا تحول ولا تزول، سواء حمد الحامدون أم جحد الجاحدون».
فهنيئًا لمن عرف الله الحميد معرفة يقين، وسار في ركب الحامدين، ولقي ربه الحميد بقلب مطمئن سليم، فحينها سيكون ممن يسمع قول الله تعالى: [ادخلوها بسلام آمنين].
@zainabalmahmoud @zalmahmoud@outlook.
com.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك