عندما نمزج عراقة الشرق بتراثه الغني وجغرافيته الآسرة، بحداثة الغرب بآفاقه المنفتحة على المستقبل، ونحسن توظيف نقاط القوة من هذين المحيطين، غير متهيبين من التجريب ولا من التجريد، عندما نفعل ذلك نصل إلى منتج فني جذوره في الأرض عصية على الاقتلاع، ورأسه في السماء يلامس النجوم.
وهذا المزيج الموفق يخطر لي كلما صادفت عملا للفنانة التشكيلية الإماراتية فاطمة لوتاه.
فهذه البدوية التي لفحتها شمس الصحراء وظللها سعف النخيل، استطاعت إيصال صوتها الفني إلى أقصى مدى يحلم به فنان عربي، فعرضت قبل ثماني سنوات لوحاتها على شاشات عملاقة في ساحة تايمز سكوير في نيويورك.
وليس ذلك بمستغرب من فنانة لا تخشى التجريب، ذات تكوين أكاديمي رصين حيث تخرجت من أكاديمية الفنون ببغداد نهاية الثمانينيات، يوم كانت الحركة الفنية في العراق تضج بالأسماء الكبيرة، وبعد رحلة فنية إلى نيويورك استقرت فاطمة لوتاه في فيرونا الإيطالية لسنوات طويلة، منصرفة إلى إبداعها، فتعددت ثيمات لوحاتها مركزة على ما له تعلق بالبيئة التي خرجت منها، خاصة حكايات النساء، وحين استنفدت ما أرادت التعبير عنه توقفت عشر سنوات كاملة، وعادت بانفتاح أكبر في الأساليب من حروفية وإدخال تقنيات رقمية وضوئية على لوحاتها، بل وجدتْ في وسائل التواصل الاجتماعي ما يوصل فنّها إلى متلقٍّ جديد، هادمة الجدار الرابع بينها وبين جمهورها، في تواطئ تفاعلي عرّفَ أجيال الإنترنت على تجربتها وأفادها أيضا في تطوير نفسها.
لا تتعب فاطمة لوتاه من مفاجأتنا فمن لا يتجدد يتبدد، ففي معرضها الأخير الذي حمل عنوان «سراج»، والذي أقيم في ساحة الخط في الشارقة، بمناسبة مهرجان الشارقة للفنون الإسلامية في دورته السادسة والعشرين آخر سنة 2025، عادت إلى تراثها الخليجي لتستلهمه لا لتنسخه، وقدمت لمعرضها بهذه الديباجة الشاعرية «بلا بداية ولا نهاية، كسماء لا تحدها حدود، ينظر إليها طفل، وكل ما يتمناه من هذه الآفاق الواسعة نجمة.
وأحجار صامدة كذاكرة المكان الراسخة في الأذهان».
فما بين سماء لا نهائية وأرض مستقرة راسخة، أنجزت فاطمة لوتاه مجموعة لوحات خصيصا للمهرجان متناغمة مع شعاره «سراج»، وكما التقت السماء التي لا تحد بالأرض الراسخة، توافق مهرجان يعنى بفنون الخط والزخرفة الإسلامية مع فنانة عرفت بجراتها الفنية، ومن هذا المزج ولدت لوحات تتجاور فيها الحروفية العربية مع أحدث المدارس الغربية في الرسم، وتترك اللوحة فيها قماشتها لترتدي ثوبا من الزجاج البلاستيكي (Plexiglass) المرسوم عليه بالأكريليك، يتلاعب بألوانه من زوايا مختلفة ضيف عزيز يدعى الضوء.
لا تملي علينا الفنانة فاطمة لوتاه رؤيتها، ولا تفرض علينا قراءتها، بل تترك باب التأويل مشرعا، فلوحات المعرض تقرأ بالقلب لا بالعقل، والسراج له دلالته الروحية، ولوحاتها في هذا المعرض نوتات لونية تتكامل لتصنع سمفونية نورانية، تغلب عليها الألوان الزاهية التي يعكسها الضوء على الجدران وكأنها حاشية تفسيرية على متن اللوحة، ما بين المعدن بقساوته، والرمل بطراوته، حوار بحروف عربية توحي ولا تقول، وتومئ ولا تدل.
التجريد والتركيب هما وسيلتا فاطمة لوتاه لزرع الإحساس بالضوء فينا، أما تفسير اللوحات فمتروك لمشاعرنا ولتجربتنا الروحية، لكن المؤكد أن هذه اللوحات التي تشي بانتصار النور على الظلام، لا تدعنا محايدين، بل تجعلنا منحازين تماما لغلبة الضوء على العتمة.
تستوقفنا في لوحات المبدعة الإماراتية لوحة حملت اسم شعار المهرجان والمعرض معا «سراج»، كثفت فيها الفنانة كل أبعاد الفكرة، وكأنها تريد اختصار الربيع في قارورة عطر، نتوقف عندها لأنها تلخيص غير مخل لأخواتها، وأول ما يستولي على نظرنا فيها خطوطها البيضاء المحفورة التي تدفعنا للتساؤل: هل هي عفوية أو مقصودة؟ هذه الخطوط البيضاء الرفيعة المتقاطعة تشبه الأخاديد على وجه الأرض لكنها أخاديد مضيئة تكسر رتابة الكتلة اللونية، فهي جراح في جسد اللوحة، لكنها جراح بيضاء لا حمراء، تسمح بانبعاث الضوء من قلب السراج.
تتوازى وتتقاطع في حيز غير منتظم، فحواف اللوحة الخارجية ليست نمطية مستقيمة، بل فيها انحناءات وانحرافات هندسية تكسر رتابة الأشكال المستطيلة، أو المربعة المنتظمة، ما يوحي بأن اللوحة كلها غير جامدة، بل أشبه بشعلة نار تتأجج وتتمدد، في انسجام كلي مع معنى السراج.
لم تعتمد فاطمة لوتاه هذا الكسر للقيود النمطية والقوالب الجاهزة للوحة في شكلها الخارجي فقط، بل هو مبدأ اعتمدته في كل تفاصيلها، ويتجلى في مظهرين: أولهما توزيع الثقل اللوني، وثانيهما التوازن بين الضوء والعتمة، فالثقل البصري في اللوحة يتمركز في ثلثيها الأعلوين حيث تتركز الدرجات اللونية القاتمة (الأخضر والزيتي والترابي) والضربات الحمر، إضافة إلى ما ذكرناه من تمزقات لونية بيضاء، في حين غلب البياض والتفتح اللوني على الثلث الأسفل من اللوحة، فإذا كانت قاعدة السراج فاتحة لأنها مصدر الضوء، فلا ننسى أن ما يطلع منها نار بما يصاحب النار من دخان وعتمة محيطة.
وهذا التماثل هو ما أفاض على اللوحة حركيتها، يضاف إليه صراع بصري بين جسد اللوحة الموغل في العتمة وحوافها البيضاء، ما يجذب العين تلقائيا إلى قلب اللوحة في محاولة تفسير هذا الضوء المنعكس على الأطراف، فهذا التناقض بين النور والظلام هو جوهر فكرة السراج الذي يحاصر في الأخير العتمة ويبتلعها.
اختارت فاطمة لوتاه للوحتها خامة الزجاج البلاستيكي، وإذا كانت هذه الخامة ليست لينة مثل القماش إلا أن شفافيتها تسمح للضوء المحيط باللوحة باختراقها فيصبح محيط اللوحة مكملا لها، بل يتيح لها إمكانية تعدد القراءات من خلال الزاوية، التي ننظر منها إليها، فالبليكسي ليس حاملا محايدا للفكرة، بل جزء منها يضع لمسته من خلال التغيرات اللونية، التي يسمح للضوء بإحداثها.
فإذا ترافق ذلك مع مزيج لوني متصاعد من الفاتح إلى الألوان الداكنة وصلت الفكرة مواربة لا مباشرة، فالألوان الترابية ترمز إلى الأرض التي وصفتها فاطمة في نصها المرافق بأنها «أحجار صامدة كذاكرة المكان»، واللمسات الزرقاء «سماء لا تحدها حدود»، أما ضربات الريشة الخضراء فهي رمز الحياة والتجدد، ومن هذه المزاوجة يبدو لنا السراج نورا مضيئا على أرض ممتدة تنفتح على المدى الذي يمثله اللون الأبيض أعلى اللوحة، وهو مصداق «بلا بداية ولا نهاية» التي تقصدتها فاطمة لوتاه في سراجها.
لا نرى في اللوحة سراجا حقيقيا ولا حتى شكله التقليدي، فصورة المصباح تختفي لتترك وراءها سراجا تستشعره الروح، يرمز إلى حالة نورانية تنبع من الداخل، ناتجة عن تحرك عين المشاهد بين الكتلة اللونية الداكنة والفراغ المحيط بها، هذا الفراغ الذي يحدد شكل العمل ويوسع المجال البصري، فالحواف غير المنتظمة إطار بصري يدعو من يراه إلى إكماله بالشكل الذي يريده، فهو مفتوح على احتمالات لا تنتهي.
وما تتيحه مادة الزجاج البلاستيكي من انكسار ضوئي يجعل ألوان الطيف تنتشر في ثنايا اللوحة، وإذا أضفنا إلى ذلك التباين بين الألوان الدافئة والباردة يجعل الانطباع البصري يتغير مع تغير الضوء، بل مع تغير مكان مُشاهدة اللوحة، ليتشظى حينها السراج إلى سرج كثيرة.
هذا التلاعب اللوني وخاصة مع استعمال الطبقات اللونية المتعددة، يعطي انطباعا بالقدم، وكأننا أمام قطعة أثرية هي عبارة عن سراج تاريخي مشغول بزجاج معتق مختلف ألوانه، يوحي بحالة من السكون تتلاشى تدريجيا إذا صعّدنا النظر إلى أعلى اللوحة، حيث الاشتعال المحمرّ في الأعلى يعطي انطباعا بتوهج الأمل من فوهة السراج.
جمعت فاطمة لوتاه في لوحتها «سراج» ـ وهي من أواخر أعمالها ـ خبرة عمر كامل، بدأته طالبة في بغداد، حيث يتألق الفن الإسلامي، مرورا بإقامتها الطويلة في الولايات المتحدة وإيطاليا، مستلهمة مدارس أوروبا الكلاسيكية ومذاهب الفن الحديث، وصولا إلى المنزل 35 في حي الفهيدي التاريخي، لتصهر هذه الخبرة الجامعة بين عراقة الشرق وحداثة الغرب، في لوحة لا نجد في وصفها أفضل من كلام صاحبتها نفسه فهي: «عمل يرسمه الفنان بقلبه، ويخرج من بين يديه كسراج يضيء العتمة».
شاعرة وإعلامية من البحرين.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك