يحتفل العالم في شهر أبريل من كل عام بـ" اليوم العالمي للكتاب"، وهي المناسبة الدولية التي أقرتها منظمة اليونسكو إيمانًا بالقوة التنويرية للكتب، ودورها الجوهري كجسر معرفي يربط بين الأجيال المتعاقبة والثقافات المختلفة.
وفي هذا السياق، يبرز الأدب العربي كأحد أهم الروافد العالمية التي قدمت على مدار القرن العشرين أعمالًا استثنائية بلغت حدود العالمية، حيث توج الاتحاد العام للأدباء والكتاب العرب هذه الإبداعات بإعلان قائمة أفضل مائة رواية عربية في القرن الماضي، بناء على استفتاء موسع شارك فيه كبار النقاد والأدباء.
وترصد “فيتو” خلال برنامج احتفالها باليوم العالمي للكتاب الشهر الجاري، عددًا من هذه الأعمال، ومنها رواية “كوابيس بيروت”.
تعد رواية" كوابيس بيروت" للأديبة السورية غادة السمان واحدة من أبرز الأعمال الروائية التي وثقت ببراعة مأساة الحرب الأهلية اللبنانية، محولة الذاكرة الدامية إلى نص إبداعي خالد.
الرواية التي صدرت طبعتها الأولى في أكتوبر عام 1976، لم تكن مجرد سرد قصصي، بل هي 197 كابوس ترصد فيها السمان مناخات بيروت المتفجرة، وتمزج فيها بين الواقع المرير والمشاهد الخيالية لتصوير انكسار الروح الإنسانية في زمن البارود.
وكتبت السمان مذكراتها هذه في ذروة الأحداث، وتحديدًا في الفترة ما بين نوفمبر 1975 وفبراير 1976، حيث تروي الرواية تفاصيل دقيقة عن الأوضاع السياسية والاجتماعية، وتصف الكاتبة كيف تزكم أنوف الناس رائحة الفساد والبارود، ويمتزج ما وصفته ب" العهر السياسي" بالاحتكار المالي والجنسي في بوتقة مجتمع آيل للسقوط.
كما تسلط الضوء على تغلغل الحرب في زوايا الحياة اليومية، راصدة التباين الصارخ بين معاناة الضحايا ولامبالاة البعض تجاه مصير الوطن.
ولم تكن الكاتبة بعيدة عن هذا الجحيم، إذ عكست الرواية تجربتها الشخصية حين حوصرت مع أخيها في منزلهما ببيروت، وعايشت الجوع والعطش والبرد، ومن خلف شباك غرفتها، كانت شاهدة على الجثث التي ملأت الشوارع، وعلى احتراق مكتبتها الثمينة، وصولا إلى اللحظة المأساوية التي شهدت فيها مقتل حبيبها" يوسف" أمام عينيها.
نجاح غير متوقع لكوابيس بيروتبدأ نشر هذه المذكرات كسلسلة في إحدى المجلات اللبنانية أوائل عام 1976، قبل أن تصدر في كتاب عن منشورات غادة السمان، وقد حققت الرواية نجاح لافت، حيث توالت طبعاتها، وظلت مادة خصبة للدراسات النقدية والأكاديمية، كما تُرجمت إلى لغات عالمية عدة منها الإنجليزية، الفرنسية، الألمانية، الإيطالية، الروسية، والبولندية.
وُلدت غادة أحمد السمان عام 1942 في دمشق لأسرة عريقة، تأثرت غادة بوالدها الدكتور أحمد السمان، رئيس الجامعة السورية ووزير التعليم الأسبق، الذي نال الدكتوراه من السوربون، فقد شكل والدها وعيها الثقافي بعد وفاة والدتها وهي صغيرة، حيث غرس فيها حب التراث العربي والأدب العالمي على حد سواء.
بدأت مسيرة السمان الأدبية بالصدام مع المجتمع الدمشقي المحافظ آنذاك، وأصدرت مجموعتها الأولى" عيناك قدري" عام 1962، ورغم تصنيفها في البداية ضمن الكاتبات النسويات، إلا أنها سرعان ما تجاوزت هذا الإطار الضيق لتطرح قضايا اجتماعية ونفسية وإنسانية أشمل.
حصلت السمان على الليسانس في الأدب الإنجليزي من الجامعة السورية، ثم الماجستير من الجامعة الأمريكية في بيروت، ليلمع اسمها كصحفية بارزة وأديبة مبدعة، وهو ما تجلى في مجموعتها" لا بحر في بيروت" عام 1965.
تنقلت السمان بين العواصم الأوروبية كمراسلة صحفية، مما صقل شخصيتها الأدبية، لتصدر مجموعتها" ليل الغرباء" عام 1966 التي نالت إشادة كبار النقاد مثل محمود أمين العالم، ورغم ميلها الفكري الليبرالي، إلا أنها أبدت اهتمام بالتوجهات اليسارية في تلك الحقبة، وهو ما تجلى في كتاباتها عن عدن في اليمن الجنوبي.
كانت هزيمة يونيو 1967 نقطة تحول كبرى في حياتها، حيث كتبت مقالها الشهير" أحمل عاري إلى لندن"، محذرة من تخدير الشعوب بمصطلح النكسة، وفي عام 1973، أصدرت" رحيل المرافئ القديمة" التي عرت فيها مأزق المثقف العربي.
ولعل أبرز ما يميز رؤية السمان الأدبية هو قدرتها الاستشرافية؛ ففي روايتها" بيروت 75" الصادرة أواخر 1974، تنبأت بوقوع الحرب الأهلية قائلة على لسان إحدى شخصياتها: " أرى الدم.
أرى كثيرا من الدم"، وهو ما حدث بالفعل بعد أشهر قليلة، لتكرس نفسها لاحقا بواحدة من أهم الروائيات العرب عبر" كوابيس بيروت" و" ليلة المليار".

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك