بيروت ـ «القدس العربي»: بعدما تم التأكد من صحة حادثة تحطيم تمثال السيد المسيح بمطرقة من قبل جندي إسرائيلي على أطراف بلدة دبل المسيحية في الجنوب إثر شكوك بفبركتها بواسطة الذكاء الاصطناعي ثم أكد جيش الاحتلال صحة الصورة ومحاسبة الجندي.
وقد تسببت هذه الحادثة بصدمة لدى الأوساط المسيحية التي استنكرت بشدة المساس بالرموز الدينية والتعدي الخطير على حرمة المقدسات ومشاعر المؤمنين.
واعترف الجيش الإسرائيلي بصحة الحادثة، وقال ناطق جيش الاحتلال «بعد استكمال الفحص الأولي في موضوع الصورة المتداولة لجندي يمس برمز مسيحي في جنوب لبنان، تبيّن أن الحديث يدور عن توثيق حقيقي لجندي عمل في منطقة الجنوب اللبناني».
وفكرة التدنيس وإهانة الديانات الأخرى متجذرة في الفكر فقد صدمت تصريحات سابقة وأثارت موجة من الاستهجان الدولي، حين صدم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الرأي العام بتبنيه العلني فلسفة «البقاء للأقوى» على حساب القيم الأخلاقية.
وخلال كلمة متلفزة، استشهد نتنياهو باقتباس لأحد المؤرخين يزعم فيه أن «المسيح ليست له أفضلية على جنكيز خان»، في إشارة عَدَّها مراقبون تبريراً صريحاً لسياسات القوة وتهميشاً تاماً لمبادئ العدالة والاعتدال.
وقال نتنياهو «في هذا العالم، لا يكفي أن تكون أخلاقياً، ولا يكفي أن تكون عادلاً، ولا يكفي أن تكون على حق».
وأتت تصريحاته في وقت تواجه فيه إسرائيل عزلة دولية وغضباً شعبياً عالمياً بسبب ممارساتها وانتهاكاتها في منطقة الشرق الأوسط، بدءاً من حرب الإبادة على غزة والجرائم في الضفة وحتى شنها حرباً على إيران ولبنان.
نتنياهو: «تفوُّق القوة على الأخلاق»واستند نتنياهو في حديثه إلى كتابات المؤرخ «ويل ديورانت»، مشيراً إلى إعجابه الشديد بمؤلفاته، وخاصة كتاب «دروس التاريخ».
واقتبس من ديورانت قوله إن «التاريخ يثبت أن المسيح ليست له أفضلية على جنكيز خان»، مشيرا إلى أن القوة والنفوذ والقدرة على «القسوة» هي العوامل التي تسمح للشر بالانتصار على الخير، وللعدوان بأن يهزم الاعتدال.
ومضى قائلاً «إذا نظرت إلى العالم كما هو اليوم، يجب أن تكون أعمى حتى لا ترى أن الديمقراطيات بقيادة الولايات المتحدة يجب أن تعيد فرض إرادتها للدفاع عن نفسها».
وجنكيز خان هو قائد ومؤسس الإمبراطورية المغولية، ويُعَد من أشهر القادة العسكريين في التاريخ، وارتبط اسمه بالدمار والعنف الواسع في الحروب.
نتنياهو يشجع ذلك بتبنيه فلسفة «البقاء للأقوى» على حساب القيم الأخلاقيةوزعم أدرعي «أن الجيش ينظر ببالغ الخطورة إلى هذا الحادث ويؤكد أن سلوك الجندي يخرج بشكل تام عن القيم المتوقعة من جنوده».
وأضاف «يخضع الحادث حالياً لتحقيق في القيادة الشمالية ويتم التعامل معه على المستويين القيادي والانضباطي وستتخذ الاجراءات بحق المتورطين وفقاً لنتائج التحقيق.
بالتوازي سيعمل الجيش لمساعدة سكان القرية على إعادة التمثال إلى مكانه».
بالموازاة، أدان رئيس وزراء الكيان الإسرائيلي بنيامين نتنياهو «إتلاف رمز ديني مسيحي في جنوب لبنان»، معتبرًا أنه «يتناقض مع القيم اليهودية»، ومدّعياً «فتح تحقيق ومعاقبة الفاعل»، ومشددًا على «التزام إسرائيل بحرية العبادة»، ومعربًا عن «أسفه لأي أذى لحق بالمؤمنين».
كما علّق وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر على الحادثة، ورأى «أن الاعتداء على رمز ديني مسيحي من قبل جندي في الجيش الإسرائيلي أمر خطير ومخزٍ».
وقال «أُشيد بإعلان الجيش الإسرائيلي إدانته للحادث وفتح تحقيق، وأنا على يقين من اتخاذ الإجراءات الصارمة اللازمة بحق المرتكب»، زاعماً أن «هذا العمل يُخالف قيمنا تمامًا، ونعتذر عن هذا الحادث ولكل مسيحي جُرحت مشاعره».
تزامناً، تمكن موكب السفير البابوي في لبنان المونسنيور باولو بورجيا من الوصول إلى بلدة دبل الحدودية مع قافلة مساعدات وسط هتافات وترحيب من أهالي البلدة.
وقال المطران وليم الشوملي النائب البطريركي للاتين في القدس إن تدمير جندي إسرائيلي تمثالاً للسيد المسيح جنوبي لبنان عمل مخجل ومشين.
وهذه ليست المرة الأولى للاعتداء على المقدسات والرموز المسيحية فمنذ سنة سادت حالة من السخط بين اللبنانيين والعرب وخاصة عبر وسائل التواصل الاجتماعي بعد انتشار مقطع فيديو يظهر عبث جنود إسرائيليين بدار عبادة مسيحية في بلدة دير ميماس جنوبي لبنان في نوفمبر تشرين الثاني 2024.
وأعاد المقطع المتداول إلى الأذهان، انتهاكات سابقة ارتكبها جنود الجيش الإسرائيلي بحق الأماكن المقدسة، المسيحية والإسلامية على حد سواء.
وأظهر الفيديو جنوداً إسرائيليين، ينتمون للواء غولاني، وهم يعبثون في أروقة كنيسة «مار ماما» الأرثوذكسي في قرية دير ميماس، حيث ظهروا يضحكون ويلهون ويستبحونها.
وسخر الجنود الإسرائيليون من مراسم الزواج الكنسي، إذ حاولوا تقليدها كما تجري العادة عند المسيحيين في لبنان، وتهكموا على تمثال السيدة مريم والأيقونات الدينية.
وأثار الفيديو سخط العديد من اللبنانيين على مواقع التواصل.
وقال أحد رواد مواقع التواصل الاجتماعي «هؤلاء المجرمون القتلة داخل كنيسة دير ميماس يسخرون من الرباط المقدس أمام المذبح.
ويسخرون من الطهر مريم العذراء.
لحد هلق لا بيان لا استنكار من أحد»، مستنكراً أيضاً الصمت الرسمي اللبناني.
وقال آخر «هذا هو جيش الاحتلال المتعجرف الإسرائيلي.
لا يهتم لا لطائفة ولا لدين.
وهو يدنّس كنيسة دير ميماس الجنوبية ويهزأ بالطقوس المسيحية.
هذه الكنيسة التي دمّرها سابقاً عام 2006 وكان عمرها ما يقارب الـ800 سنة».
ورغم تهديدات بالقصف، رفض سكان قرية رميش ـ ذات الأغلبية المسيحية – إخلاء منازلهم، إلا أنهم أصروا على البقاء، وكانوا عرضة للقصف والاستهداف الإسرائيلي رغم عدم وجود أي عناصر تتبع ل«حزب الله» بالقرية، ما يشير إلى استهداف اللبنانيين بشكل عام وليس فئة بعينها.
وليست تلك المرة الأولى التي يتعدى فيها جنود الجيش الإسرائيلي على الأماكن الدينية في الجنوب اللبناني عقب التوغل البري، إذ أظهرت العديد من المقاطع نسف عدد من المساجد في قرى الجنوب اللبناني بزعم استخدامها من قبل عناصر «حزب الله» أو وجود أنفاق تحتها دون أي دليل، مثل نسف مسجد الناصر صلاح الدين في بلدة يارين الحدودية ومسجد قرية أم التوت وغيره.
كما لم تسلم الآثار اللبنانية من العدوان الإسرائيلي، ففي 8 نوفمبر/تشرين الثاني أطلق غالبية النواب في لبنان نداء عاجلاً في رسالة وجهوها إلى المديرة العامة لليونسكو، أودري أزولاي، لحماية التراث المشترك للبشرية، في ظل الخطر المُحدق بالمواقع الأثرية في بلادهم جرّاء العدوان الإسرائيلي.
ودعت الرسالة منظمة اليونسكو، ومديرتها، في إطار مسؤوليتهما بالدفاع عن هذه الرموز التي لا تقدّر بثمن، إلى الاستجابة لهذا النداء العاجل وإعطاء الأولوية لحماية هذه المواقع التاريخية.
جاء هذا في أعقاب استهدف الطيران الحربي الإسرائيلي العديد من المواقع الأثرية، مثل مبنى «المنشية» الأثري المجاور لقلعة بعلبك التاريخية، عند المدخل الجنوبي لمدينة بعلبك شرقي لبنان.
كما تعرضت قلعة بعلبك، المدرجة ضمن لائحة التراث العالمي لليونسكو، لمخاطر جسيمة بسبب القصف على محيطها.
أيضا طال القصف مدينة صور الأثرية، والمدرجة ضمن لائحة التراث العالمي لليونسكو، حيث تعرض محيط المباني الأثرية لخطر الانهيار بسبب الاهتزازات العنيفة التي تعرضت لها.
كما تعرض أيضا سوق النبطية التجاري، وهو جزء من الهوية الثقافية والتجارية لمدينة النبطية، للتدمير الكامل، إذ يعود تاريخ بناء السوق إلى أكثر من مائة عام، وكانت هذه السوق جزءا من التراث المحلي والتجاري للمدينة.
وقد تحول السوق إلى رماد تحت وطأة القصف، مما شكل خسارة كبيرة لمدينة النبطية وسكانها.
وأفاد عضو في الكنيست الإسرائيلي، الاثنين، بأن الجيش لا يفعل شيئاً حيال شعارات الكراهية والمقاطع المصورة العنصرية وتسلل التطرف إلى وحداته العسكرية.
وبهذه الانتقادات يعلق عضو الكنيست (البرلمان) من حزب «الديمقراطيين» المعارض جلعاد كاريف على صورة لجندي إسرائيلي وهو يحطم بمعول تمثالاً للسيد المسيح ببلدة دير سريان جنوبي لبنان.
وقال كاريف عبر منصة شركة «إكس» الأمريكية: «من الجيد أن الجيش الإسرائيلي سارع إلى معالجة هذا الحادث الشائن (.
) ولكن ما الذي يدعو إلى الاستغراب تحديداً؟ ».
الجيش اكتفى، في بيان الأحد، بالقول إن ما فعله الجندي يخضع لتحقيق، مدعياً أنه «ستُتخذ الإجراءات بحق المتورطين وفقًا لنتائج التحقيق».
ومشيراً إلى وزير الأمن القومي اليميني المتطرف إيتمار بن غفير، أضاف كاريف: «رجل دعا إلى حرق الكنائس في إسرائيل يتجول في أروقة الحكومة وفي مقر وزير الأمن القومي».
وتابع: «ويتعرض رجال الدين المسيحيون للبصق والإهانة يومياً في البلدة القديمة (القدس الشرقية) دون أي رد فعل» من الحكومة.
وأردف: «يوبخ الجيش المجندات على ملابسهن غير المحتشمة، لكنه لا يفعل شيئًا حيال شعارات الكراهية والمقاطع المصورة العنصرية وتسلل الرسائل المتطرفة إلى الوحدات» العسكرية.
كاريف شدد على وجود «أزمة قيم حادة في الجيش ولا تجد استجابة قيادية كافية».
وبالنسبة للساحة السياسية والعامة، قال إن «كل عنصري وقومي يصبح ملكا، وطالما استمر هذا الوضع، فإن الصورة أدناه (لتحطيم التمثال) هي نتيجة مباشرة لأفعال القيادة الحالية لإسرائيل».
ولافتاً إلى رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، قال كاريف: «يتحمل مَن جعل بن غفير وبنزي غوبشتاين (يميني متطرف يعمل مستشارا لبن غفير) شريكين شرعيين له المسؤولية المباشرة عن هذه الصورة».

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك