لقد سجن الرجلان نفسيهما في قفص المصالح الاستراتيجية؛ فترامب كان يطمح في عملية عسكرية تسفر عن نصر سريع وحاسم يشبه إلى حد كبير عملية اختطاف الرئيس الفنزويلي مادورو، ليسوق نفسه أمريكياً ودولياً بوصفه الزعيم الذي استطاع إسقاط النظام الإيراني واستبداله بآخر موال للغرب، وأنه الوحيد الذي أزال التهديد النووي الإيراني عن الخارطة، مع تأمين احتياجات سوق الطاقة الأمريكي عبر وضع اليد على مقدرات النفط الإيراني.
بينما يرى بنيامين نتنياهو أن الحسم يعني نهاية مستقبله السياسي، ويتبع نهج المماطلة والتسويف لإبقاء كافة الجبهات مفتوحة، والتحكم في مستوى الحرائق كشرط لبقائه السياسي.
وبعيداً عن مجريات الحرب ومساراتها، وما تحقق منها من أهداف أو ما كان غير قابل للتحقيق من الأساس، فإن الحسم السريع في إنهاء الحرب يمثل ربحاً لطرف وخسارة للطرف الآخر؛ فبالنسبة لترامب، يوفر هذا الحسم فرصة لاستعادة ثقة المواطن الأمريكي في سياساته الاقتصادية، لاسيما مع الارتفاع الحاد في أسعار النفط، كما يرمم صورته لدى الناخب الأمريكي مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي.
وقبل هذا وذاك، تتيح النهاية الحاسمة والسريعة للحرب إعادة تموضع الإدارة الأمريكية خلف استراتيجيتها للدفاع الوطني والأمن القومي؛ تلك التي تهدف بالأساس إلى تقليص الانخراط العسكري المباشر للولايات المتحدة خارج حدودها، والاستعاضة عنه بشبكات من التحالفات العقدية مجانية أو قليلة التكلفة في مناطق الصراع.
بينما تضع استراتيجية الحرب المفتوحة– التي يفضلها نتنياهو بلا أطر زمنية أو أفق سياسية- ترامب أمام معضلات كبيرة؛ لعل أبرزها تآكل الدعم الشعبي، وتصاعد حركة الاحتجاجات، واضطراب الأسواق الأمريكية، فضلاً عن التكلفة الاقتصادية الهائلة التي تقدر بمليار دولار يومياً، وصولاً إلى تآكل صورة الردع الأمريكية أمام الضربات الإيرانية.
على الجانب الآخر، يمثل الحسم السريع معضلة وجودية لنتنياهو، الذي يفضل سياسة التسويف الاستراتيجي والهروب من استحقاقات المسارات السياسية؛ حفاظاً على بقائه السياسي وضمان استمرار حكومته حتى نهاية ولايتها.
تكمن مصلحة نتنياهو في الإبقاء على حالة السيولة الأمنية واشتعال الجبهات، التي تنتج بيئة خوف مثالية يمكنه الاستثمار السياسي فيها، بوصفها الضمانة الوحيدة التي يمكنها اسكات المعارضة الإسرائيلية، ودفع الخصوم للالتفاف حوله تحت وطأة الأخطار الوجودية التي يبرع في إنتاجها وتسويقها، وتأجيل ساعة المحاسبة.
قد يتساءل البعض كيف توفر بيئة الخوف هذه طوق نجاة بقاء نتنياهو؟ الإجابة تكمن في جنح هذه الحروب المفتوحة؛ فبينما ينشغل الإسرائيليون بالبحث عن ملاجئ يختبئون فيها من الصواريخ الإيرانية، وتهافت رموز المعارضة على تصريحات التعبئة والتحريض على شاشات التلفزة، يقدم بنيامين نتنياهو ووزرائه دروساً في الدناءة السياسية؛ فقد قاموا بتحويل مليارات الشواقل من الموازنة العامة لصالح أحزاب الائتلاف فيما يعرف بـ" الأموال الائتلافية".
وهي أموال جرى ضخها في المدارس الدينية التي يرفض القائمون عليها ومنتسبوها الخدمة العسكرية بالأساس، ولتمويل مشاريع محلية وقطاعية تخدم قواعد انتخابية محددة، في وقت يتعرض الاقتصاد الإسرائيلي فيه لضغوط هائلة، ويجري فيه التخلي عن قطاعات واسعة من الإسرائيليين ممن يؤدون خدمة الاحتياط أو فقدوا منازلهم وباتوا مشردين في الشوارع.
أما الحسم السريع في أي من الجبهات المفتوحة، فسيضع نتنياهو وجهاً لوجه أمام عدد من الملفات الساخنة، أبرزها أزمة قانون التجنيد الذي يهدد تماسك ائتلافه، وملف المحاكمات في قضايا الفساد والرشوة وتضارب المصالح، فضلاً عن بحثه عن طرق مبتكرة لإعادة تدوير التهديدات الوجودية القديمة التي استنفذها -واستنفذت هي الأخرى مفعولها- مع المجتمع الإسرائيلي.
وأهم من هذا كله، يكشف هذا الحسم للرأي العام الإسرائيلي أن نتنياهو استنفذ رصيده مع الجمهور الإسرائيلي، وأن السحب من رصيد الدولة دون محاسبة لم يعد خياراً مقبولاً أو ممكناً.
تكشف معضلة السجينين عن الهوة الكبيرة بين طموح ترامب في حصد المكاسب السريعة وإبرام الصفقات العاجلة، وبين غريزة البقاء لدى اليمين الإسرائيلي، وعلى رأسه بنيامين نتنياهو الذي يقتات على استدامة الحروب وإبقاء الجبهات مفتوحة.
هوة بدأت إسرائيل إعداد العدة لمواجهة تبعاتها، خصوصاً بعد انكشاف عدم دقة التقارير الاستخباراتية الإسرائيلية التي جرت بموجبها الولايات المتحدة إلى الحرب، مما ولد خشية حقيقية لدى الإسرائيليين من انقلاب ترامب على نتنياهو بعد اخفاقهما في تحقيق أي من أهداف الحرب المعلنة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك