كشفت أبحاث علمية حديثة نقلتها صحيفة “الباييس الإسبانية” عن معطيات جيولوجية مفاجئة تنفي حدوث فيضان كارثي ضخم عبر مضيق جبل طارق أدى إلى ملء البحر الأبيض المتوسط بعد جفافه قبل ستة ملايين سنة، مشيرة إلى أن القناة المائية التي ربطت بين المحيط الأطلسي والبحر المتوسط ربما لم تكن قريبة على الإطلاق من المضيق الحالي الذي يفصل شمال المغرب عن جنوب إسبانيا، مما يسقط واحدة من أشهر النظريات العلمية التي سادت في أوساط الجيولوجيين لأكثر من خمسين عاما.
وأوضح التقرير الصحفي ذاته أن هذه النظرية الحديثة تتناقض بشكل جذري مع ما تم التوصل إليه في سادس أكتوبر من سنة 1970، حينما عادت سفينة الحفر في المياه العميقة غلومار تشالنجر إلى ميناء لشبونة البرتغالي بعد رحلة دامت أربعة وخمسين يوما، تم خلالها حفر ثمانية وعشرين ثقبا في قاع البحر المتوسط.
وأشار العالمان كينيث هسو وويليام رايان في مقال نشر سنة 1972 إلى أن البحر تحول إلى حوض صحراوي ملحي بعمق كيلومترين، قبل أن يتدفق المحيط الأطلسي عبر مضيق جبل طارق بشلالات تفوق شلالات فيكتوريا بمائة مرة وشلالات نياغرا بألف مرة، وهي القصة التي حظيت بنجاح كبير لدرجة أن ديفيد أتينبورو أنتج فيلما وثائقيا عنها، وأصدرت جبل طارق طابعا بريديا يجسد شلالا بارتفاع ثلاثة آلاف متر.
ولفت الخبير جييرمو بوث ريا من جامعة غرناطة الإسبانية، حسب المصدر ذاته، إلى أن فكرة الفيضان الضخم والبيانات الداعمة لها تعتبر خاطئة في الغالب، مؤكدا أن العديد من الجيولوجيين دافعوا مؤخرا عن فترة جفاف أقصر بكثير تلتها عملية امتلاء تدريجية للبحر المتوسط، في حين يرى باحثون آخرون أن البحر لم ينفصل يوما بشكل تام عن المحيط الأطلسي، مما يطرح فرضية قوية مفادها أن المجتمع العلمي أمضى نصف قرن يبحث عن أدلة الفيضان الكارثي المسمى بالفيضان الزنكلي في المكان الخطأ.
وتابع المقال المنشور في منصة المعرفة التابعة للصحيفة تفسير الدينامية المائية للمتوسط، مبرزا أن البحر يفقد حاليا عبر التبخر كميات مياه تفوق بثلاث مرات ما يستمده من التساقطات المطرية ومصبات الأنهار، بينما يعوض المحيط الأطلسي هذا النقص عبر تيار دائم من مياه البحر يعبر مضيق جبل طارق من الغرب نحو الشرق، موضحا أن انغلاق هذا المنفذ كان سيؤدي حتما إلى انخفاض مستوى سطح البحر بكيلومتر واحد خلال ألفي سنة.
وهي الفرضية التي تعززت بعد اكتشاف طبقات صلبة من الحصى المحتوي على حفريات بحرية وبلورات الجبس والهاليت على عمق مائتي متر تحت قاع البحر، إلى جانب رصد قيعان أنهار قديمة مدفونة كنهر النيل ونهر الرون، مما جعل مؤتمر أوتريخت بهولندا سنة 1973 يعتمد نموذج الجفاف التام كنظرية مجمع عليها علميا.
وأكد عالم الرسوبيات والطبقات فينيسيو مانزي من جامعة بارما الإيطالية وجود تباينات جوهرية وتناقضات رياضية في نظرية الجفاف التام للمتوسط، مفسرا أن تبخر المياه ليس الشرط الأوحد لتشكل رواسب الجبس، بل يمكن أن يحدث ذلك تحت الماء نتيجة ترسبات من مياه مالحة شديدة التركيز.
كما أن التيارات السفلية الناتجة عن غرق المياه المالحة الكثيفة قادرة على حفر أخاديد عميقة تشبه قيعان الأنهار، مضيفا أن الترسيب الملحي الهائل المتواجد هناك، والذي يمثل خمسة بالمائة من إجمالي ملح محيطات العالم، يستحيل أن ينتج عن حدث تبخر واحد، بل كان سيتطلب إفراغ البحر المتوسط وإعادة ملئه نحو عشر مرات متتالية.
وبينت المعطيات العلمية الموثقة في الرواسب الملحية بصقلية، والتي تعكس المرحلة الأولى من أزمة الملوحة الميسينية، وجود ستة عشر سريرا تتناوب فيها طبقات الجبس مع الصخر الزيتي العضوي بفارق زمني يقدر بثلاثة وعشرين ألف سنة، وهو ما يتطابق تماما مع الدورة المدارية لمحور الأرض وتأثيرها على التغيرات المناخية ومستويات سطح البحر العالمية.
ووفق المعطيات ذاتها، فقد تميزت المرحلة الثانية الممتدة لخمسين ألف سنة بانخفاض حاد في مستوى البحر وتراكم هائل لكلوريد الصوديوم، حيث يعتقد فريق الباحث مانزي أن بوابة جبل طارق ظلت مفتوحة لكنها أصبحت ضحلة جدا لتسمح بتدفق المياه في اتجاه واحد نحو الداخل فقط، مما تسبب في تراكم ملحي خارج عن السيطرة وانخفاض مستوى البحر الغربي بثمانمائة متر والشرقي بالضعف، وهو ما أدى إلى تكون جسر بري سمح بانتقال الحيوانات الإفريقية نحو القارة الأوروبية.
وسجلت دراسة حديثة أنجزها الباحث دانييل غارسيا كاستيلانوس من المجلس الأعلى للبحوث العلمية في إسبانيا سنة 2025 تفاصيل دقيقة عن المرحلة الثالثة والأخيرة من أزمة الملوحة التي دامت مائتي ألف عام، حيث توقف ترسب الملح وظهرت حفريات لكائنات بحرية قشرية تشير إلى انخفاض نسبة الملوحة وتحول المتوسط إلى بحيرة ضخمة، موضحا من خلال نماذج المحاكاة الحاسوبية لعمليات التعرية أن البحر امتلأ تدريجيا بمياه عذبة تدفقت من حوض باراتيتس، الذي كان يضم البحرين الأسود وقزوين الحاليين، محملة بمياه أنهار ضخمة مثل الفولغا والدون والدانوب، مما أدى إلى توفير موطن جديد للكائنات البحرية ورفع مستوى سطح البحر إلى ثلاثمائة متر تحت مستواه الحالي.
وأضافت الباحثة راشيل فليكر من جامعة بريستول الإنجليزية، بصفتها المديرة المساعدة لبعثة الحفر المنجزة في دجنبر 2023 عبر سفينة جويدس ريزوليوشن في بحر البوران شرق مضيق جبل طارق، معطيات تؤكد غياب أي أدلة مادية قاطعة على حدوث فيضان كارثي بالمنطقة، موضحة أن العينات الجيولوجية المستخرجة أظهرت طبقات رقيقة جدا ذات ألوان متعددة تتطلب ظروفا هادئة ومنخفضة الطاقة لتشكلها، وهو ما يتناقض كليا مع القوة التدميرية لفيضان ضخم، ناهيك عن عدم العثور على أي طبقات ملحية في بحر البوران، وعدم رصد أي تراجع عالمي لمستوى سطح البحر بتسعة أمتار والذي كان يفترض أن يرافق عملية التدفق الأطلسي الهائلة نحو حوض المتوسط.
وخلص الخبير بوث ريا في نهاية التحقيق الصحفي العلمي إلى أن التضاريس الجغرافية للبحر الأبيض المتوسط خلال العصر الميسيني كانت تختلف جذريا وتتسم بدينامية مغايرة لما هي عليه اليوم قبل تشكل حوض التيراني وظهور صقلية، مرجحا أن البوابة الفعلية التي ربطت المحيط الأطلسي بالبحر المتوسط كانت تقع في مكان ما شرقا عبر قوس بركاني ربط إفريقيا بجزر البليار، أو ربما من خلال قنوات مائية عبر الأراضي المغربية أو الإسبانية كانت مغمورة تحت سطح البحر قبل سبعة ملايين سنة وارتفعت لاحقا، مؤكدا أن هذه التحولات الجيولوجية الطفيفة والمستمرة، وليس الأحداث الكارثية المفاجئة، هي التي أدت إلى تشكل كتل الملح العملاقة وتسببت في انقراض تسعة وثمانين بالمائة من الأنواع البحرية التي كانت تستوطن البحر الأبيض المتوسط.
* الصورة مولدة بالذكاء الاصطناعي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك