عن جمال عبد الناصر وعلاقاته السيئة مع أمريكا يمكن تدوين مجلدات، لكن هناك حكاية من أجمل الحكايات التي يعشقها المصريون، حكاية نابضة بالوطنية وبنزاهة حاكم وذكائه في التعامل مع المواقف غير التقليدية.
في السنوات الأولى لثورة يوليو اضطرت مصر إلى خوض معارك عديدة على جبهات مختلفة فتثبيت أركان الدولة الجمهورية وإظهار القوة في مواجهة الاستعمار الذي لطالما تعود على السمع والطاعة من الدول المحتلة.
كان عام 1956 عاما مميزا في تاريخ مصر، فيه خرج الإنجليز من أرض الوطن بعد احتلال دام 74 عاما، وفيه أمم جمال عبد الناصر قناة السويس في خطوة جبارة مواجها أعتى القوى الاستعمارية، بريطانيا وفرنسا ومعهم إسرائيل، وخرجت مصر منتصر محتفظة بأرضها وقناتها وشرفها السياسي والعسكري.
قبل ذلك بعامين كانت مصر وراء الثورة الجزائرية ضد الاحتلال الفرنسي الذي دام في الجزائر ما يتجاوز قرن من الزمان، ذاق في شعب الجزائر كل أنواع الظلم والاستعباد والقهر.
أرادت أمريكا تطويع عبد الناصر وهو الذي لا يقبل التطويع إلا بإرادته ولمصلحة بلاده، فتجرأ احد عملاء المخابرات الأمريكية في المنطقة وهو كيرميت روزفلت وقدم لعبد الناصر مبلغ مليون دولار، للتأثير عليه ودفعه للتخلي عن الثورة الجزائرية وكذلك لتليين مواقفه تجاه أمريكا.
عبد الناصر الذي يعلم الجميع مدى ذكائه وحنكته، لم يرفض المبلغ، لكنه أعد مفاجأة لأمريكا وللعميل روزفلت، خصص المبلغ لبناء برج عالي في قلب القاهرة، في جزيرة الزمالك لكي يطل على مبنى السفارة الأمريكية ويشاهده الأمريكان كل يوم فيتذكرون كيف كان رد ناصر.
قرر ناصر في عام 1956 بناء برج القاهرة في قلب العاصمة العريقة، حيث يتجاور التاريخ العريق مع نبض الحاضر، ارتفع البرج كأنه قصيدة حجرية تحكي فصلا من فصول الكرامة الوطنية.
لم يكن البرج بناء شاهق يطل على النيل فحسب، بل كان شهادة على زمن مضطرب، كانت مصر فيه تعيد تعريف نفسها وسط صراعات السياسة الدولية وتوازنات القوة في منتصف القرن العشرين.
كان اسم جمال عبد الناصر يتردد كصوت صاعد من أعماق الشارع العربي، حاملا مشروعا للتحرر والاستقلال، على الجانب الآخر من العالم، كانت أمريكا تراقب هذا الصعود بقلق، وتحاول أن تجد لنفسها موطئ قدم في قلب القرار المصري، ظهر اسم كيرميت روزفلت، رجل المخابرات الذي لم يكن غريبا عن دهاليز الشرق الأوسط، حمل معه عرضا بدا في ظاهره دعما، وفي باطنه محاولة لشراء الموقف المصري والتأثير على قرار ناصر.
قدم روزفلت لعبد الناصر مليون دولار في محاولة لكسب وده والتأثير على توجهاته السياسية، لكن عبد الناصر رفض أن تختزل إرادة بلاده في صفقة، وبدلا من أن تدفن تلك الأموال في خزائن السلطة، قرر أن يحولها إلى رمز مرئي، إلى بناء يراه الناس كل يوم، فيتذكرون أن الكرامة لا تشترى.
لم يكن التصميم عشوائيا، بل جاء على هيئة زهرة اللوتس، ذلك الرمز الفرعوني الذي يعبر عن النقاء والتجدد ارتفعت خطوطه المتشابكة كأنها بتلات حجرية تتفتح نحو السماء، في انسجام بين التراث القديم والطموح الحديث.
ومع كل متر كان يعلو فيه البناء، كانت الحكاية تتجسد أكثر حكاية دولة ترفض الإملاءات، وتختار أن تقف على قدميها.
اكتمل برج القاهرة وافتتح عام 1961، لم يكن إنجاز هندسي عظيم فحسب، بل كان حدثا شعبيا ووطنيا بامتياز.
التف الناس حوله، ينظرون إليه بإعجاب وفخر، بلغ ارتفاعه 187 مترا متجاوزا ارتفاع الهرم الأكبر، كأن مصر تقول للعالم إن حاضرها قادر على أن ينافس عظمة ماضيها، لم يكن التحدي موجها للحجر القديم، بل احتفاء بقدرة الإنسان المصري على الإبداع المستمر.
في ليالي القاهرة، حين تتلألأ أضواء البرج على صفحة النيل، يبدو كأنه حارس صامت لذاكرة تلك اللحظة العظيمة.
لحظة اختلط فيها السياسي بالرمزي، وتحول موقف رفض إلى معلم خالد.
وبينما تتغير العصور وتتعاقب الأجيال، يبقى البرج شاهدا على قصة تروى، لا فقط عن بناء شامخ، بل عن إرادة شعب، وعن زعيم اختار أن يحول الإغراء إلى رمز، والمال إلى معنى، والتاريخ إلى درس لا ينسى.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك