بشكلٍ أو بآخر، شغل البحث عن إجابة هذا السؤال جزءًا من الحيز العام منذ بداية الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب، وإن كان خافتًا في ولايته الأولى، لكن السياسات التي تم اتباعها، والتي عملت بجزء منها على تحطيم قواعد سياسية ودبلوماسية واقتصادية، ونسف ما يُعرف بـ«الدولة العميقة»، وتسريح الموظفين وإغلاق الهيئات، دفعت إلى التساؤل عمّن يحكم أميركا: مؤسسات الدولة العميقة أم الرئيس؟في إدارة ترمب للدولة الأميركية ما يدمر تقاليد عريقة، ولا يترك مجالًا للشك بأن ليس هناك دولة عميقة، كما يُروَّج لها في الولايات المتحدة الديمقراطية ودولة المؤسسات الكبرى التي تتشارك في اتخاذ القرار متكئة على مراكز دراسات في واشنطن أطلق عليها « Think Tanks »، فقد نسفت السياسات التي اتبعها ترمب خلال عام واحد كل التصورات النمطية عن الولايات المتحدة، وخصوصاً أنها دولة قانون، وهي من أشرف على تركيب المؤسسات الدولية لشدة فائض القانون لديها كالأمم المتحدة ومجلس الأمن، فكيف يحدث أن يفعل رئيس كل هذا في غياب تام للدولة العميقة بل أن تلك تبدو كأنها اختفت تمامًا؟ارتباطًا بمصالحها الاستراتيجية، دفعت الولايات المتحدة أوروبا إلى الصدام مع روسيا بهدف قطع العلاقات والتعاون داخل القارة، وهو ما كان من شأنه أن يُجهض تشكّل كتلة اقتصادية دولية هائلة، كانت مقدماتها خط الغاز الروسي «نورد ستريم» الذي يمتد للعقل الصناعي الأوروبي «ألمانيا».
وجاء ترمب ليتحول عن كل هذا ويقول إن تلك «حرب بايدن»، لكن الخطوة الثانية كانت بفرض ضرائب على الشريك الأوروبي ودفعه للذهاب نحو الصين الخصم اللدود للدولة الأميركية العميقة، وغير العميقة بالإضافة، لازدراء الناتو والتهديد بإنسحاب واشنطن من تلك المؤسسة التي أنشاتها.
لكن جاءت الحرب على إيران لتقطع الشك باليقين بأن الولايات المتحدة دولة الرئيس، فهل يسمح النظام القائم على المؤسسة بهذه الانقلابات الصادمة في السياسات والذهاب بعيدأً إلى هذا الحد؟شكّل اتخاذ القرار في زمن ترمب يشبه تماماً دول العالم الثالث غير الديمقراطية، حيث الرئيس هو المؤسسة وهو صاحب القرار الأول والأخير، وهو ما يتنافى مع التصورات المسبقة، فكيف لدولة تعلم الناس الديمقراطية والقانون وبناء هياكل الدولة أن تقاد من قبل فرد، هو الرئيس؟ أم أن هناك دولة عميقة في الولايات المتحدة هي تقف خلف الرئيس وتدفعه لكل هذا؟ هذا تقدير يجد بعض الرواج أيضا، لأنه أقل صدامًا مع الصورة المتخيلة عن الدولة الأميركية.
الأمر ليس كذلك لأن فرادة النظام الأميركي يجعله مختلفًا عن كل النظم الديمقراطية الغربية، ويمكن توصيفه بلا غرابة بأنه يقع في منتصف المسافة بين الديمقراطيات الغربية - من ناحية القوانين والتشريعات وقوة المؤسسة إلى الدرجة التي تمكنها من محاكمة الرئيس وعزله- وبين تفرّد هائل يشبه النظم المتخلفة في القرار ومركزيته بيد الرئيس حصرًا، وتلك تتعلق بطبيعة النظام نفسه الذي يختلف عن كل الأنظمة في العالم.
فمثلاً في إسرائيل وأوروبا من الصعب أن يُقيل الرئيس مدير المخابرات أو الاستخبارات أو المحكمة، لكن في الدول العربية والدول الدكتاتورية يمكنه فعل ذلك ببساطة لأقل خلاف، وأيضا يحدث ذلك في الولايات المتحدة، إذ يفصل الرئيس من يشاء ويعين من يشاء.
كلمة السر في هذا الموضوع أن القانون الأميركي يعطي للرئيس الجديد صلاحية تعيين 4000 موظف جديد لمساعدته في أداء مهماته، وهذا رقم مذهل.
حينها يمكن أن نفهم بأن 4 آلاف هم يمثلون الدولة الجديدة أو «الجديدة العميقة»، لأن ذلك يعني إزالة كل الدولة القديمة، فيقوم الرئيس بتعيين طواقم البيت الأبيض والمستشارين والوزراء ومساعديهم، والمدراء العامون، وقادة أجهزة الأمن والاستخبارات بعد إنهاء خدمات اللذين عينهم الرئيس المغادر، وكذلك يعين مستشار الأمن القومي لينضم للخارجية والدفاع بكل طواقمهم.
ولنا أن نتخيل أن هؤلاء هم من يديرون الدولة بعد مغادرة القدامى، والأهم من ذلك أن القانون الأميركي يعطي كل هذا الامتياز للرئيس بإعادة فك وتركيب المؤسسة، يعطيه بصلاحية أن هؤلاء مجرد مساعدين له لتنفيذ سياساته في ولايته المنصوص عليها بالقانون.
لذا، لا يستطيع الوزراء أو قادة أجهزة الاستخبارات أو المستشارين أو قادة الأمن القومي الإعتراض مع الرئيس- هكذا كانت الصورة لحظة اتخاذ قرار الحرب على ايران، أو بالأحرى لا قيمة لمواقفهم في حال معارضتها، يتفرد الرئيس بالقرار بعد أن يستمع لمساعديه دون أن يلتزم بنصائحهم.
هكذا يؤخذ القرار في البيت الأبيض.
لم يكن الأمر واضحًا مع رؤساء سابقين يجيدون العمل السياسي، وهم جزء من سياسات قائمة، يتعاطون باحترام مع المتخصصين من رجال الدولة ومؤسساتها، يستمعون لغيرهم، يشركوهم، لكن ظهر الأمر بوضوح أكبر حين جاء للبيت الأبيض رئيس من خارج المؤسسة الأميركية، من عالم مختلف، رئيس لمجلس إدارة شركة هو مالكها وصاحب قرارها الأوحد ليمارس كل صلاحياته المنصوص عليها بالقانون.
فترمب لم يخرج عن الدستور الأميركي بل أعطى صورة لم يكن الجميع يدركها قبل وصوله للبيت الأبيض، حين كان الرأي العام أسيرًا لصورة نمطية متخَيلَّة عن الولايات المتحدة ومؤسساتها، قبل أن يجيء رئيس حين سألوه كيف يتخذ القرار قال: «بحدسي! ».

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك