تزامنًا مع الذكرى الـ٤٠ لوفاة صلاح جاهين، خص الشاعر الكبير بهاء جاهين، «بوابة الأهرام» بنص نادر كتبه عن صاحب الرباعيات، ضمن الإصدار التذكاري لفنون بالهيئة المصرية العامة للكتاب تزامنا مع اختيار صلاح جاهين شخصية معرض القاهرة الدولي للكتاب.
كان أبي مصداقًا للمثل العامي الذي ينصح كل أب: (إن كِبر ابنك خاويه).
فمنذ كبرت قليلًا وصرت قادرًا على تلقي مشاعر وأفكار شخص عظيم كأبي، صار لا يكف عن تعليمي ونقل خبراته ومعلوماته بل وأسراره الشخصية لي، وكأننا صديقان من نفس العمر، ولكن أحدهما يتميز عن الآخر بثقافة وتجارب عميقة وواسعة، بينما صاحبه، الذي هو ابنه - يفتقر إليها.
ولهذا فإن ثقافتي حتى الآن نصفها من الكتب ونصفها الآخر مما كان أبي يلقنه لي من أفكار ومعلومات وتجارب وآراء.
حين نمر بالسيارة - مثلًا - بفم الخليج أو بمآذن القاهرة القديمة، كان يلفتني إلى الفارق بين المئذنة المملوكية ذات الاستدارات والأخرى العثمانية التي تشبه القلم الرصاص.
مثال آخر: تأثير الازدهار الاقتصادي في عشرينيات القرن الماضي، وما تلاه من أزمة عالمية في الثلاثينيات، تأثير ذلك على المسرح والغناء والثقافة المصرية عمومًا.
مثال ثالث: فهمت الفلسفة الوجودية لا من الكتب، بل من كلام أبي.
والأمثلة لا تنتهي.
وقبل ذلك في الطفولة، لم يضربني أبي إلا مرتين، وكان ضربًا هينًا ولأسباب وجيهة.
وقبل أن نصير صديقين مع بلوغي أعتاب المراهقة، أهداني أبي الكتب اللازمة للانتقال من بلهنية الطفولة لمشارف الوعي.
أتذكر منها مجموعة (أولادنا) التي كانت تقدم للناشئة بعض روائع و كلاسيكيات الأدب العالمي مبسطة وملخصة؛ وموسوعة بلاد العالم، كل بلد في كتاب.
ومع بلوغي الثالثة عشر أهداني ما صدر من الأعمال الكاملة لديستويفسكى التي أحدثت ثورة في فكري، وجعلت منى كاتبًا للشعر، وفاق تأثيرها نصوص الشعراء رغم أنها قصص وروايات.
وكان أبى بعيد النظر، أشكر له للآن ما نصحني به فامتثلت، وأُدرِك خطئي في عدم عملي بنصائح أخرى، أثبتت لي التجارب، بعد عشرات السنين، أنه كان محقًا بشأنها وبعيد النظر، ولو كنت أمتلك في ذلك الزمن البعيد بُعد نظره وحكمته لعملتُ بها.
وأشكر له في النهاية أنه لم يرغمني على شيء، وترك لي حرية الاختيار.
كان أبًا لطيفًا ورقيقًا، يبدو أحيانًا كأنه في مثل عمري، لكنه -بمعجزة- يمتلك الحكمة والثقافة والتجربة، والحرص على نقل هذه التجربة إلى الأجيال التالية، مجسدة وممثلة في شخصي.
ابنه.
هكذا كان صلاح چاهين أبًا.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك