غزة – «القدس العربي»: بأصواتٍ تخنقها العبرات، وعيونٍ ترقب أفقًا مسدودًا بجدران من ركام، احتشد مئات الطلاب العالقين في قطاع غزة ضمن حراك «بين الحلم والمعبر».
في تظاهرة شهدتها مدينة غزة أمس، تحول المكان إلى صرخة استغاثة أكاديمية وسط دمار لا ينتهي، حيث لم تكن الساحة مجرد مكان للتجمهر، بل معرضًا لآمال معلقة على «ورقة عبور».
في المشهد، اختلطت قتامة المباني المهدمة في الخلفية ببياض شهادات القبول الجامعي والمنح الدولية التي يلوح بها الطلبة عاليًا، وكأنها طوق النجاة الوحيد من غياهب التجهيل القسري.
تدافع الشباب والشابات، يحملون جوازات سفرهم كوثائق إدانة لصمت العالم، وتراصوا خلف لافتات كُتبت بمداد الوجع، تعلن أن «العلم ليس رفاهية»، بل هو النبض الذي يرفض التوقف.
حرارة الشمس عكست إصرار الوجوه، وهتافاتهم مزقت سكون الخراب، بينما رفرفت الأوراق الرسمية الممهورة بأختام جامعات من أقصى الأرض، لتذكر الجميع أن هؤلاء ليسوا مجرد أرقام في إحصائيات الحرب، بل هم عقول تذبل خلف بوابات مغلقة.
المعبر.
السجان الحقيقي للأحلامتحول المكان إلى منبر مفتوح، حيث تبارى المتحدثون في سرد فصول الحرمان؛ فمن طالبة ترى منحتها تتبخر عامًا بعد عام، إلى شاب يحلم بمقعد دراسي في روسيا أو الجزائر، بينما تظل «بوابة المعبر» هي السجان الحقيقي لأحلامهم.
الغبار المتطاير من حولهم لم يطفئ بريق الطموح في عيونهم، وهم يطالبون بحق بسيط تكفله كل الشرائع: «دعونا نتعلم.
دعونا نرحل لنبني مستقبلًا دمرته آلة الحرب».
رفع المشاركون شعارات تعبّر عن معاناتهم، مشددين على أن التعليم حق أصيل، وأن السفر حق مشروع تكفله القوانين الدولية.
وطالبوا الجهات المعنية، المحلية والدولية، بالتحرك العاجل لفتح المعابر وتسهيل إجراءات سفرهم، بما يضمن استكمال مسيرتهم التعليمية من دون مزيد من التأخير.
وأكدوا أن استمرار هذا الوضع أدى إلى ضياع فصول دراسية كاملة، وخسارة فرص تعليمية ثمينة لا تعوض.
ومن اللافتات التي هزت الوجدان: «طالب غزة لا يختلف عن غيره من طلاب العلم»، «نريد أن نتعلم لا أن نُدفن بالأحلام»، «جوازي حقي مش امتياز»، و»منحتي جاهزة والطريق مسكّر».
في كلمة افتتح بها المؤتمر الصحافي المرافق للوقفة، وضع الطالب الفلسطيني أمير فوجو العالم أمام مسؤولياته الأخلاقية، قائلًا بلهجة يسكنها الألم: «نقف اليوم تزامنًا مع وقفة طلابية خاصة بالطلبة العالقين الذين فقدوا فرص السفر منذ سنوات بسبب القيود المفروضة على الحركة والمعابر.
إن الواقع في غزة اليوم صعب للغاية؛ حرب مستمرة، انقطاع إنترنت، نقص وقود، وحرمان من التعليم، وكلها عوامل تسرّع تدهور مستقبلنا».
وتابع فوجو خلال حديثه لـ«القدس العربي» بمناشدة حارة: «نطالب الجهات المسؤولة بضمان مرور الطلبة بشكل آمن وسلس دون تأخير، ونطالب المنظمات الإنسانية والحقوقية بالتدخل الفوري.
إن طلبة غزة يعتمدون على مساندتكم، فلا يُعقل أن يُحرم الطالب من حقه في التعليم بحجة إغلاق المعابر».
ضياع الفرص… رغد وليمان نموذجًاقصة ليمان (23 عامًا) تختصر حكاية جيل كامل؛ فهي لا تزال تنتظر منذ أكثر من عامين فتح معبر رفح للالتحاق بجامعتها.
تقول ليمان لـ»القدس العربي»: «أنا طالبة فلسطينية من غزة، أنتظر حلمي المعلق خلف بوابة المعبر.
نناشد جميع صناع القرار إيجاد حل حقيقي، فنحن الآن نخاطر بفقدان منحنا وقبولاتنا الجامعية التي انتظرناها طويلًا».
أما الطالبة رغد عليان، فقد أصبحت قضيتها تجسيدًا للتناقض بين «الورق» و«الواقع».
حصلت رغد على عدة منح دراسية في دول مختلفة، لكنها فقدت مؤخرًا إحدى أهم هذه الفرص بسبب غيابها القسري عن الجامعة لمدة عامين.
توضح رغد لـ«القدس العربي»: «جئنا اليوم تحت اسم حراك (بين الحلم والمعبر) لأن بوابة المعبر هي العائق الوحيد أمام ممارسة (حقوق الإنسان) التي تدّعيها المنظمات الدولية.
في غزة، كل هذه الحقوق تنتهي ولا تُطبق.
منحتي جاهزة بتمويلها وتأشيرتها، والمعبر هو من يغلق الطريق أمام مستقبلي».
نزيف السنوات… من الجزائر إلى روسياتتضاعف المأساة عند النظر إلى طلاب منح الجزائر؛ يروي أحمد غانم لـ«القدس العربي» كيف تهدمت أحلامه عامًا بعد آخر: «حصلت على منحة الجزائر عام 2023، وها هو عام 2025 ينتهي والآن ندخل عام 2026 ونحن لا نزال هنا.
ثلاث سنوات تضيع من أعمارنا والجزائر تفتح أبوابها لنا بينما المعبر يغلقها».
وعند سؤاله عن بديل الدراسة في غزة، أجاب بحرقة: «أين هي الدراسة في غزة؟ الجامعات مدمرة، لا كهرباء ولا إنترنت.
من حقنا الإنساني أن نلتحق بدراستنا في الخارج».
وفي السياق ذاته، وجّه محمد الفرا، وهو طالب عالق حصل على منحة في روسيا، نداءً مباشرًا إلى الخارجيتين الفلسطينية والروسية، وإلى الرئيس بوتين: «حق التعليم حق أصيل كما حق العلاج.
نطالب بتوسيع الحالة الإنسانية لتشمل الطالب كما شملت المريض.
زملائي فقدوا منحهم بالفعل بسبب عدم تمكنهم من الوصول، وعامل الوقت هو العدو الأول لنا الآن».

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك