عمان- يحمل عدي (8 سنوات) هاتف والده المحمول، حيث يقوم بالبحث عن خريطة العالم والتعرف على مواقع الدول وحجمها، وربط ذلك بمدى قوتها عسكريا وتعدادا، ويطرح الكثير من الأسئلة على والديه تتعلق بمفاهيم ومصطلحات سياسية، بات يسمعها مؤخرا عبر القنوات ومن خلال أحاديث المجتمع المحيط.
اضافة اعلانقد يكون الطفل عدي ما يزال صغيرا من منظور الأهل، ليكون مطلعا على مثل تلك المعلومات أو أن يوجه أسئلة بعيدة عن اهتمامه كطفل، إلا أن كم المعلومات التي يتم تداولها أمامه ووجوده بالقرب من شاشة التلفاز وسماع نشرات الأخبار، أمور قد يكون لها دور كبير في أن تستوقفه تلك المعلومات وتثير فضوله حول ما يجري حوله.
وبعض الأسئلة التي طرحها الطفل آدم (11 عاما) لوالديه موخرا، كانت تدور حول: " وين مضيق هرمز؟ شو يعني مضيق؟ وين موقع هاي البلد؟ ليش في دول كبيرة ضعيفة ودول صغيرة قوية؟ "، وكثير من الأسئلة المماثلة وغيرها الكثير بات يسمعها الأهل من أطفالهم، بعد التتابع الكبير للأحداث في الفترة الماضية وحتى هذا اليوم.
ويقول والد آدم إن ابنه يعلم الكثير عن الحدود الجغرافية للدول، وبات قادرا على تمييز المواقف والسياسات، ومعرفة العدو من الصديق، ومدى تأثير ذلك على حديثه ونقاشه مع المحيطين، بل ويستدل أيضا على تلك المعلومات من خلال استخدام تطبيقات البحث المتوفرة على الهاتف، عدا عن استماعه لنشرات الأخبار على مدار الساعة.
مؤشرات على تطور وعي الصغارومن هنا، يبين الخبير والمدرب التربوي الدكتور عايش النوايسة أن أطفال اليوم يعيشون في بيئة مليئة بالمعلومات بشكل غير مسبوق مقارنة بالأجيال السابقة، وهذا الأمر انعكس بشكل واضح على مستوى وعيهم ومعرفتهم بما يجري حولهم من أحداث، سواء كانت اجتماعية أو سياسية أو حتى حروب وصراعات.
وهذا الانفتاح جعل الطفل أكثر متابعة واهتماما بما يحدث في العالم، ويمكن اعتبار ذلك في كثير من الأحيان مؤشرا صحيا على تطور وعيه، خاصة أنه في مرحلة يبحث فيها عن هويته ويحاول فهم موقعه ودوره في هذا العالم.
وهنا، يوضح النوايسة أن اهتمام الطفل بالقضايا العامة لا يعني بالضرورة شيئا سلبيا، بل قد يدل على بداية تشكل تفكير نقدي لديه، ورغبة في الفهم وربط الأمور ببعضها بعضا، ولكن في المقابل، لا بد من الانتباه إلى أن هذا الوعي ليس متساويا بين جميع الأعمار، فالأطفال في الفئة العمرية (8-10 سنوات) تحديدا يمرون بمرحلة تختلف في طبيعتها عن المراحل الأكبر.
مخاطر قد تتجاوز قدرة الطفل على الاستيعاباختصاصي أول الأمراض النفسية الدكتور عبدالله محمود أبو دنون، يقول هنا إن ما يمكن تسميته بالنضج المعرفي والعبء النفسي، جاء في ظل التسارع غير المسبوق للأحداث الإقليمية والعالمية، وتداخلها اليومي مع المحتوى الرقمي الذي يتعرض له الأطفال واليافعون.
وبرزت ظاهرة لافتة بعد ذلك تتمثل في ارتفاع مستوى الوعي السياسي والمفاهيم الجيوسياسية لدى فئات عمرية صغيرة، بما في ذلك الأطفال بعمر 8-10 سنوات، ولم يعد الأمر مقتصرا على معرفة سطحية، بل تجاوز ذلك إلى استخدام مصطلحات سياسية، ومتابعة الأخبار، والبحث الذاتي عبر الإنترنت.
هذا التحول، وفق أبو دنون، يطرح تساؤلا جوهريا: " هل هذا النمط من الوعي المبكر صحي نفسيا ونمائيا؟ أم أنه يحمل في طياته مخاطر تتجاوز قدرة الطفل على الاستيعاب والتكيف؟ ".
ومن منظور علم النفس النمائي، يقول أبو دنون إن الطفل في هذه المرحلة (8-10 سنوات) يمر بمرحلة العمليات المادية الملموسة (Concrete Operational Stage) حسب نظرية بياجيه، حيث يبدأ التفكير المنطقي بالظهور، لكنه يظل مرتبطا بالمحسوس والمباشر، وليس بالمجرد أو المعقد.
ما يحدث اليوم يمكن تفسيره من خلال عوامل متداخلة عدة، أهمها وسائل التواصل الاجتماعي التي كسرت الحواجز التقليدية للمعلومة، والخوارزميات التي تدفع محتوى سياسيا مكثفا حتى للأطفال، والبيئة الاجتماعية، بما فيها حديث الكبار والقلق الجمعي الذي يعزز هذا التوجه، حيث يتعرض الطفل لمحتوى يفوق قدرته النمائية على المعالجة العاطفية والمعرفية، حتى وإن بدا ظاهريا أنه" يفهم".
هذه الحالات للأطفال لم تعد مقتصرة على فئة محددة، بل لمسها الأهل عند جميع الأطفال على اختلاف أعمارهم وخلفياتهم واهتماماتهم بالواقع السياسي والإقليمي، حيث ترى سهى عمران أن ما حدث وشهدته الساحة المحلية من وجودها في وسط إقليمي مضطرب، أسهم في تعرف الأطفال واتساع إدراكهم واهتمامهم.
وتوضح سهى، وهي أم لأربعة أطفال، أن ما شهده المواطن من مرور صواريخ ومسيرات في سماء المملكة، والتصدي لها من قبل قواتنا، أثار تساؤل واهتمام أطفالنا بشكل يومي وتكرار الأحداث وتأثيرها، ولو بشكل بسيط، على مسار الحياة، كان لا بد أن يثير فضولهم وأسئلتهم التي أسهمت في هذا الوعي المعرفي" بالواقع السياسي بشكل عام".
تطوير مهارات التفكير النقديوحول مدى أن يكون هذا الوعي المبكر صحيا، يجيب أبو دنون أنه لا يمكننا الرد بـ(نعم/لا)، بل يعتمد على الجرعة والسياق وطريقة التوجيه، ولذلك فوائد منها تنمية الفضول المعرفي وحب الاستكشاف، وتعزيز الوعي بالعالم والانتماء الإنساني، وتطوير مهارات التفكير النقدي بشكل مبكر (عند التوجيه الصحيح).
بيد أن ذلك لا يمنع من وجود بعض المخاطر النفسية، كما تشير الأبحاث، حيث إن التعرض المبكر والمكثف للأحداث السياسية والصراعات قد يؤدي إلى: القلق المزمن (Chronic Anxiety)، نتيجة إدراك تهديدات لا يملك الطفل أدوات التعامل معها، وتشوه إدراك الأمان (Distorted Sense of Safety).
ويبدأ الطفل برؤية العالم كمكان غير مستقر وخطر، كما يشير أبو دنون إلى إمكانية حدوث التبلد العاطفي أو فرط الحساسية، إما انسحاب وجداني أو تضخم استجابات الخوف، والتحميل المعرفي الزائد نتيجة معلومات تفوق القدرة على التنظيم والتحليل، وتبني أفكار قطبية أو متطرفة بسبب غياب النضج الكافي لفهم التعقيد السياسي.
تعزيز المهارات وتنمية القدراتأما الجوانب الإيجابية، كما يبينها النوايسة، فإن تعرض الطفل لمعلومات جغرافية أو عامة يمكن أن يعزز ذاكرته وينمي قدراته اللغوية، كما يشجعه على البحث والاكتشاف ويزيد من فضوله المعرفي، وقد يشعر أيضا بانتماء أكبر للعالم من حوله، بالرغم من أن فهمه للأحداث محدود بطبيعة عمره، وغالبا لا يستطيع استيعاب التعقيدات أو الخلفيات العميقة للأحداث، ويميل إلى تفسير الأمور بطريقة مباشرة وبسيطة، أحيانا بشكل حاد أو ثنائي (صح/خطأ، خير/شر).
هذا التبسيط قد يقود الطفل إلى تكوين تصورات غير دقيقة أو أحكام متسرعة، خاصة عندما تكون المعلومات التي يتلقاها مرتبطة بالصراعات أو الحروب، وهنا ينوه النوايسة إلى نقطة حساسة، وهي أن الطفل قد لا يميز بين ما يحدث في مكان بعيد وبين ما يمكن أن يشكل خطرا عليه شخصيا، مما قد يخلق لديه شعوراً بالقلق أو الخوف من دون أن يتمكن من التعبير عنه بشكل واضح، وقد يظهر هذا القلق في سلوكه أو في نومه أو في طريقة تفكيره.
لذلك، يقع على عاتق الأهل والمعلمين دور كبير، ليس في منع الطفل من الاطلاع، بل في مرافقة هذا الاطلاع وتوجيهه، ووفق النوايسة، من المفيد أن نسأل الطفل عما يشاهده أو يقرأه، وأن نفتح معه حوارا بسيطا يساعدنا على فهم ما وصل إليه من أفكار، ومن ثم تصحيح أي معلومات غير دقيقة بهدوء، من دون إشعاره بأنه مخطئ أو مبالغ.
كما يمكن توجيه اهتمام الطفل نحو الجوانب الأقل توترا عند الحديث عن الدول أو الأحداث، مثل الجغرافيا والثقافة والعادات، بدلا من التركيز المباشر على الصراعات، وهذا لا يلغي الواقع، لكنه يقدمه بطريقة أكثر توازنا، ويمنح الطفل مساحة لفهم العالم من دون أن يختزل معرفته في الحروب فقط، كما يمكن حدوث فارق بين" المعرفة" و" الاستيعاب".
ومن الأخطاء الشائعة اعتبار أن الطفل، إذا استطاع ترديد مصطلحات مثل" صراع دولي"، أو" تحالفات"، فهو قد فهمها فعليا، ولكن يفسر أبو دنون ذلك بأن الطفل قد يخزن المعلومات لفظيا من دون أن يمتلك القدرة على فهم أبعادها الأخلاقية، واستيعاب تعقيداتها، أو تنظيمها ضمن إطار معرفي متماسك.
من المهم فلترة المحتوى لا منعهوهنا يكمن الخطر، على حد تعبير أبو دنون، من خلال مظهر نضج خارجي يخفي هشاشة داخلية.
وللتعامل مع الوعي بشكل صحي، ينبغي فلترة المحتوى لا منعه، فالمنع التام غير واقعي، لكن المطلوب تقليل التعرض للمحتوى العنيف أو المشحون، واختيار مصادر مبسطة وموثوقة.
إلى ذلك، التفسير المناسب للعمر، وتبسيط الأحداث من دون تزييفها، واستخدام أمثلة قريبة من واقع الطفل، وتجنب المصطلحات الثقيلة أو المشحونة، مع أهمية إعادة الإحساس بالأمان، وطمأنة الطفل بأن بيئته الحالية آمنة، مع الفصل بين" ما يحدث في العالم" و" ما يحدث هنا".
كما يجب تشجيع الأسئلة لا الإغراق بالإجابات، والسماح له بالسؤال، والإجابة بقدر السؤال فقط من دون توسع مفرط، ويؤكد أبو دنون على مراقبة المؤشرات النفسية، مثل اضطرابات النوم وزيادة القلق أو الأسئلة الوجودية، والانشغال الزائد بالأخبار.
وفيما يتعلق بالمفاهيم السياسية أو الكبيرة، يقول النوايسة إنه من الأفضل تبسيطها إلى معان قريبة من عالم الطفل، مثل العدل، والتعاون واحترام الآخرين، بدلا من الدخول في تفاصيل معقدة لا تناسب عمره.
الحفاظ على شعور الطفل بالأمانأما الأطفال الأكبر سنا، فيمكن التعامل معهم بطريقة مختلفة قليلا، يبينها النوايسة من خلال تشجيعهم على طرح الأسئلة، ومناقشة آرائهم، والتفكير في مصدر المعلومات ومدى دقتها، وهذا يسهم في بناء وعي أعمق لديهم مع الوقت، وفي جميع الأحوال، يبقى العامل الأهم هو الحفاظ على شعور الطفل بالأمان.
كما أنه من الضروري أن يشعر أن ما يحدث في العالم لا يعني بالضرورة أنه مهدد، وأن بيئته القريبة آمنة، وأن التعرض المستمر للأخبار، حتى بالنسبة للكبار، قد يسبب نوعا من الإرهاق، لذلك من الأفضل تنظيم هذا التعرض وعدم تركه مفتوحا طوال الوقت، حتى لا يتحول إلى مصدر ضغط نفسي على الطفل، على حد تعبير النوايسة.
كما ينصح أبو دنون بإعادة التوازن في الحياة اليومية من خلال تعزيز اللعب، والرياضة، والأنشطة الاجتماعية، وعدم جعل السياسة محور الحديث اليومي.
ويميز أبو دنون ما بين الأطفال واليافعين، من كون اليافعين يمتازون بقدرة أعلى على التفكير المجرد، وتشجيعهم على النقاشات المنظمة، ومهارات التفكير النقدي، مع الانتباه إلى تجنب التلقين الأيديولوجي، وترك مساحة لتشكيل الرأي الشخصي.
الوعي السياسي المبكر سيف ذو حدينوفي النهاية، يشير أبو دنون إلى أن الوعي السياسي المبكر ليس مشكلة بحد ذاته، بل هو سيف ذو حدين، إذا تم احتواؤه وتوجيهه، فقد يكون مدخلا لنضج فكري مبكر، أما إذا ترك من دون ضبط، فقد يتحول إلى عبء نفسي يفوق قدرة الطفل على الاحتمال.
والدور الحقيقي هنا ليس في" كم يعرف الطفل"، بل في كيف يفهم وكيف يشعر، وكيف نحمي توازنه النفسي أثناء ذلك، وهذا يتطلب وعيا من الأهل والمربين بأن الطفولة ليست مرحلة لتلقي كل ما يحدث في العالم، بل مرحلة لبناء أدوات فهم العالم تدريجيا وبأمان.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك