بعد مفاوضات أوّليّة لاهثة لـ21 ساعة متواصلة في إسلام أباد، خرج جي دي فانس ليعطي انطباعاً متشائماً بمستقبل السلام، ما أغضب الإيرانيين الذين قالوا عكس ذلك.
بعد ذلك بأقل من يومين صرّح فانس نفسه، بأن المفاوضات كانت منتجة نسبياً، بعد أن قالت رويترز أيضاً، إن نسبة عالية من الخلافات قد تمّت تسويتها.
يمثّل ذلك التعارض صراع عقليّتين حول مفهوم التفاوض في كلّ من إدارة ترامب، وإدارة الملالي مع الحرس الثوري.
كان دونالد ترامب صاحب برنامج تلفزيوني اسمه «المتدرّب».
يدرِّب فيه رجال الأعمال الجدد، ويدفعهم إلى إتقان التنافس.
وهو بدوره، في حياته العقارية والسياسية، كان قد خضع لتدريب ودروس من محامٍ نيويوركي اسمه روي كوهن.
كان هذا في خمسينيات القرن العشرين أقرب مساعد للسيناتور مكارثي، صاحب الملاحقات والتحقيقات سيّئة الصيت في إرهاب النخب الفنية والثقافية والسياسية الليبرالية/اليسارية الأمريكية.
تعرّف في ما بعد على ترامب الشاب وابتدأت بينهما مسيرة طويلة حتى منتصف الثمانينيات، عند وفاته.
وقد اشتهرت تلك القواعد الستّ في» إدارة المواقف والأشخاص والسيطرة عليهم»، وشكّلت قلب نظريّته «التربوية» التي نقلها إلى متدرّبه:أولّها كان ألّا يعتذر ولا يعترف بالخطأ إطلاقاً، وأن «حَذارِ من الندم».
وثانيها أن يهاجم دائماً، وبقوة أكبر من هجوم الخصم، مع التصعيد اللجوج لإدارة المواقف والأشخاص والسيطرة عليهم.
وثالثها اعتبار النظام القانوني سلاحاً فعّالاً في الخصومة لا ملاذاً لتحقيق العدالة، وقد دخل ترامب بالفعل في أكثر من 3500 دعوى قضائية في حياته العملية.
وكان رابعها التلاعب بوسائل الإعلام بلا هوادة، ومن ذلك رشّ الاتّهامات الجريئة، لأنّها كثيراً ما لا تُدحض، وقد استخدم ترامب هذا الأسلوب في معاركه أيام ما قبل وسائل التواصل الاجتماعي واستمرّ.
خامسها استخدام الترهيب والتخويف كدرع وكسيف، وقد ابتدأ ترامب قديماً واستمرّ حديثاً في استخدام اليسار والشيوعية كفزّاعة، وأبدع لاحقاً باستخدام المهاجرين والمسلمين والجريمة والمخدّرات لذلك الهدف، ومن «الدولة العميقة» كما يفعل الشعبويون عادةً.
بالطبع يمكن إضافة المبالغة دائماً سلباً وإيجاباً، خصوصاً عندما تكون الحقيقة شيئاً مختلفاً تماماً.
كذلك دغدغة ميول المستَهدَف وطبيعته الخاصة، أو تضخيم وتصنيع الأخطار المحدقة به وتيئيسه من إمكانية النهوض من حفرته، وتهوين المصائب أو تلوينها، إلخ، مع خصائص أخرى في سمات المقاولة والمناورات، أو التلاعبات التي تحدث أثناءها، ويمكن نقلها مباشرة إلى عالم إدارة السياسات.
البراغماتية ليست سيّئة بشكل مطلق في حالتها العادية، لكنها تنحدر أحياناً إلى «تبرير كلّ ما يُجدي منفعةً» أو إلى مسعى متوحّش وراء السلطة والمردود.
وفي حين أن الأيديولوجيا أساساً نسق من المفاهيم والأفكار، يحتوي على تفسير للعالم وتصوّر للمستقبل، لكنّه غالباً ما يُستخدم بذاته لتبرير وترتيب برامج وتصوّرات لتحقيق ذاك التصوّر، ويبالغ أصحابه في وسائلهم بغية النجاح في الحفاظ على السلطة/القوة أو الوصول إليها.
فهي إذن على قرابة بالبراغماتية من ذلك المدخل العملي، تبلغ مبلغاً أسمى وأخطر حين تأتي من جهة العقيدة أو الدين.
البراغماتية ليست سيّئة بشكل مطلق في حالتها العادية، لكنها تنحدر أحياناً إلى «تبرير كلّ ما يُجدي منفعةً» أو إلى مسعى متوحّش وراء السلطة والمردودفي إيران ونظام الملالي فيها يحدث ذلك، وبشراسة وعنف:فمن يستطيع التمييز ما بين سياسات الهيمنة القوميّة، التي صبغت عهد الشاه مثلاً (ومفهوم شرطي المنطقة! )، وتلك التي تَخَلّقت تماماً خلال عامين من انتصار الثورة الإسلامية، التي وعدت بحكم الشعب وبالحرية والحريات عام 1979، ومالت تدريجياً إلى جعل الحاكم المطلق نائباً عن الإمام الغائب المعصوم، قائد الأمة الإسلامية ومدبّر شؤونها.
وباعتبار كون الراحل حسن نصرالله أبرز ممثّل لذلك النظام ومعبّرٍ عنه من ناحية السياسة الإقليمية، يمكن الاستشهاد بما باعترافاته الفخورة، حين كان يصف نفسه كفرد في ولاية الفقيه، أو جنديٍّ في صفوف قوّاتها.
نُقل عنه أن الهدف الأسمى أن يسود ذلك النظام في كل ديار الإسلام، وأنّ نظام الولى الفقيه يسمو على الدستور (اللبناني هنا)، مثلما أن دولته هي «دولة القانون» ولا غضاضة، تزايد ذلك الميل إلى التعبير ذاته في العقد الثاني من هذا القرن، حين أصبح الحفاظ على نظام الأسد الهمّ الأوّل لحكومة المرشد الأعلى والحرس الثوري وحزب الله.
أصبح التمدّد الخارجي وبناء «محور المقاومة» في العراق وسوريا ولبنان وغزة واليمن، وتعزيزه بتوسّعات جديدة تبدأ بالتفجّرات والتفجيرات سياسة أكثر وضوحاً مع الزمن، تعبر الجسر من الأيديولوجيا الثورية؛ التي لا تتطوّر صناعتها إلّا بالتصدير؛ إلى براغماتية نزعة الهيمنة بسهولة، ومن دون تردّد.
دفع ذلك التوجّه بالكثير من أهل المنطقة إلى الاتجاه الآخر، الذي لم يدخلوه عبر التاريخ الحديث.
فلم يعد مستهجناً، بالدرجة نفسها على الأقل، أن يضعف ولو نسبياً ذلك الصوت العربي المدافع عادة وأصولاً عن أهل غزّة تحت الضربات النارية المدمّرة لإسرائيل؛ والصوت اللبناني، ومعه العربي أيضاً، أمام تدمير الجيش الإسرائيلي للبنان في طريقه، وهو يضرب حزب الله، ذلك الحزب الذي يحتاج البلد والدولة بشكل مصيري إلى نزع سلاحه «المقاوم»، لذلك ليس من السهولة تلمّس ردود الفعل الملتبسة وشدّتها في المنطقة حالياً، حيث يتحارب بالشراسة التي رأيناها تحالف البراغماتية الأمريكية مع الأيديولجيا الإيرانية التي تتفتّح براغماتيّتها المتفهّمة لسياسات عدوّها، ويواجه الشرق الأوسط مصيراً مجهولاً تختلط فيه آلام ولادة مسخ جديد غير محدّد الملامح بعد.
قد تساهم «مخرجات السلام» القادم حين تتبلور، في إبراز بعض هذه الملامح بشكل أوّلي، لكنّ هذا لا يمنع هنا استنطاق الصورة القائمة وهي ما تزال مجهولة عملياً.
يعتمد الأمر على ما يمكن أنه أصبح أقرب إلى النتائج الفعلية، وأهمّها تراجع قوة ونفوذ النظام الإيراني في كلّ المجالات، وتغيير مهم في سياسات دول الخليج، خصوصاً ما يتعلّق بالانتقال من الحالة السلبية في الحقل الدفاعي إلى أخرى إيجابية وواثقة، يكون لها فيها دور مهم لاحق وأساسيّ في الدفاع عن نفسها وفرض احترامها بقوة، على الرغم من المرور بمرحلة انتقالية صعبة أوجبتها عمليات قصف البنية التحتية، وعلى الأخص في مجال الصناعات النفطية، الأمر الذي سوف يدفع بدوره إلى تصليب العزيمة على تنويع أشكال الاقتصاد الوطني وتحويلها، بما يعزّز الميل الموجود أساساً في السعودية والإمارات وغيرهما، بل ربّما يساعد جيداً على تصويب ذلك الميل بناءً على التجربة الكبيرة الراهنة.
تلك الثقة بالنفس ربّما تساعد أيضاً على مزج التنمية السياسية والاجتماعية بالاقتصادية، وتكون الرفاهية في العيش أكثر ارتباطاً مع الحداثة الشاملة.
لا بدّ أيضاً أن يتأثّر المسار السياسي للعراق، لتتقدّم قليلاً القوى التي أضعفتها الهيمنة الإيرانية وتتراجع – أيضاً قليلاً- تلك التي دعمتها وزرعت فيها عوامل الغطرسة والضرب بسيف وسمعة غيرها من وراء الحدود.
وسيحدث مثل ذلك في اليمن، لو استطاع تجنّب عثراته المستمرة في طريق وحدته ووحدة شعبه، واتفقت قوى الجزيرة العربية الرئيسية على سياسة واحدة توافقية هناك.
ربّما يكون لبنان من أهم الرابحين بين تلك الأطراف بعد خيبته طويلة الأمد، على الرغم من أن انعكاس التراجع الإيراني سوف يأخذ وقته حتى يصل إلى حزب الله وسلاحه، السدّ المانع لاستعادة الدولة ميزاتها الأساسية… يحتاج ذلك أيضاً إلى حكمة اللبنانيين، التي تستطيع إنتاج حتى ما هو أفضل وأكثر حداثة – نسبياً- من اتفاق الطائف.
هنا قد يزدوج العاملان: التراجع الإيراني والسلام الإسرائيلي، بمقدار ما يستطيع العرب والعالم أن يفرض من العقلانية على إسرائيل، وذلك ليس سهلاً أبداً.
يبقى المكان الأكثر استعصاءً على رسم الملامح هو سوريا، حيث تفرض تراجيديا التحوّل، الذي حدث في ظروف مختلفة تماماً عام 2024 ومع سماته المتناقضة، تعاملاً دقيقاً واستعادةً لقوة الشعب وقواه.
ولن يكون ممكناً توحيد البلاد إلّا باللامركزية المعقولة، ولا «دسترة» الدولة وتحديثها إلّا بفرض تراجع القوى «الرجعية»، من قبل نهضة سياسية وشعبية تظهر بعد ما يشبه انقراضاً أوجده ورعاه استبداد نظام الأسدين المديد، وأعطاه شكله ومضمونه، وتلك مسائل لا يمكن المغامرة بقراءة فنجانها بعد.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك