فقدت الدبلوماسية في صراع الشرق الأوسط الحالي مصداقيتها، وأصبحت بلا قيمة تقريبا مع تضارب تصريحات الرئيس الأمريكي، وخرق شروط الهدنة المعلنة لمدة أسبوعين على جبهتي المواجهة في مضيق هرمز وجنوب لبنان.
الهدنة من المفترض أن تنتهي اليوم، ووعد الرئيس الأمريكي أنه لن يجددها ما لم يتم التوصل إلى اتفاق.
حتى صباح أمس لم يتأكد سفر الوفد إلى إسلام أباد، وأعادت إيران تأكيد أنها لن تشارك ما لم ينته الحصار البحري الأمريكي.
رئيس مجلس الشورى الإيراني محمد باقر قاليباف (رجل طهران القوي منذ اغتيال المرشد الأعلى السابق علي خامنئي) قال أكثر من مرة، إن بلاده لا تقبل التفاوض تحت الحصار والتهديد.
المجلس الأعلى للأمن القومي هو الذي قرر هذا الموقف، مبينا عددا من الشروط المسبقة للموافقة على إرسال وفد إيراني لجولة ثانية في المفاوضات مع الولايات المتحدة في إسلام أباد.
ما يبرر الموقف الإيراني هو أن استعادة الثقة المفقودة في الدبلوماسية الأمريكية، يتطلب عددا من إجراءات بناء الثقة، ابتداء من إزالة الحصار وصولا إلى الكف عن إطلاق مطالب تتسم بالمبالغة مثل، نقل اليورانيوم المخصب من إيران إلى الولايات المتحدة.
هذا ما قاله وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي لنظيره الباكستاني محمد إسحاق دار، هاتفيا في اليومين الأخيرين.
الوحدة السياسية التي يجسدها الموقف الإيراني تتناقض مع حال الموقف الأمريكي المتخبط الذي يريد الحرب ولا يريدها، ويدعو للمفاوضات ويضع العثرات أمامها في وقت واحدوعلى ضوء الموقف الحالي لا توجد علامة قوية تؤكد أن المفاوضات المباشرة بين الطرفين ستبدأ قبل موعد انتهاء الهدنة، ما يرجح احتمال حدوث صدام عسكري «تحت السيطرة» لا يتحول إلى حرب مفتوحة، لا يريدها ترامب ولا تريدها طهران لكنها تستعد لها.
وطبقا للمصادر الإيرانية فإن هناك سببا مباشرا لاحتمال اندلاع مواجهة عسكرية تتعلق باحتجاز القوات الأمريكية سفينة حاويات إيرانية مع طاقمها وأفراد من عائلاتهم.
إيران تسعى في الوقت الحاضر إلى تأمين الإفراج عن الطاقم، في حين أن القيادة العسكرية المركزية الأمريكية في الشرق الأوسط تعتبر استمرار احتجاز السفينة بطاقمها شهادة ضمان لعدم حدوث مواجهة عسكرية يمكن ان يفقد فيها أعضاء الطاقم وأسرهم أرواحهم.
ما يعزز فقدان مصداقية الدبلوماسية الأمريكية، وجود صراع في واشنطن بين التيار الصهيوني المتمسك بموقف نتنياهو القائل، إن الحرب لم تنته بعد، وتيار قومي أمريكي لا يرى في الحرب مصلحة للولايات المتحدة، وأن نتنياهو مسؤول عن تضليل ترامب بشأن خطتها منذ البداية.
كامالا هاريس عبرت عن ذلك بوضوح في مقال لها الأسبوع الماضي، إلى جانب العشرات غيرها ممن يعتقدون بقوة بمسؤولية نتنياهو، وهو اعتقاد يقلل من قيمة الرئيس الأمريكي وقدرته المستقلة على تقدير الموقف بدقة، واتخاذ القرار الصحيح في شأنه.
ومن المدهش أنه، ردا على هاريس، نشر تصريحا يشيد فيه بإسرائيل ويؤكد كفاءتها في القتال وقدرتها على تحقيق النصر! الأكثر من ذلك أن هناك مسؤولين أمريكيين يعتقدون بأن كثرة تصريحات ترامب على صفحات السوشيال ميديا، يعتبر أحد أسباب ضعف مصداقية الدبلوماسية الأمريكية.
وتحسبا لكل الاحتمالات قررت القيادة الإيرانية التحوط ضد احتمال أن تكون دعوة ترامب إلى جولة ثانية من المفاوضات جزءا من خطة للخداع الاستراتيجي، بهدف تضليل إيران واستئناف العدوان الإسرائيلي- الأمريكي، بينما هي مشغولة بالهدنة تحت وهم أن الحرب انتهت.
وفي سياق هذا التحوط، تأكد وجود تقارب واضح بين «تيار الثورة» الذي يقوده قاليباف و»تيار الدولة» بقيادة الرئيس مسعود بزشكيان على قاعدة حق إيران في الدفاع عن النفس ورد العدوان، رغم أن التيار الأخير قد يبدو أكثر مرونة عن الأول في شروط التفاوض.
وإذا كانت الحرب قد تركت أثرا في النظام السياسي الإيراني فهو ميل كفة الميزان لمصلحة القيادات المتشددة في المجلس الأعلى للأمن القومي والبرلمان، التي تصطف الآن بقوة مع الحرس الثوري الإيراني.
ومع ذلك فإن قرار المجلس بأن استئناف المفاوضات في إسلام أباد مشروط بإنهاء الحصار البحري هو موقف يؤكد الوحدة بين الجيش والحرس الثوري، والحكومة والبرلمان، والمرشد الأعلى الجديد والمجلس الأعلى للأمن القومي.
هذه الوحدة السياسية التي يجسدها الموقف الإيراني تتناقض مع حال الموقف الأمريكي المتخبط الذي يريد الحرب ولا يريدها، ويدعو للمفاوضات ويضع العثرات أمامها في وقت واحد.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك