بدأت حياة الإنسان على الأرض كأحدث الكائنات، حين استوطنها منذ (300 ألف عام) وفقا للأحفوريات، تطوّر ككائن اجتماعي ذكي، متجاوزا بدائيته إلى حضارات معقدّة، فمن العيش بالكهوف إلى العيش بناطحات السحاب، ومن إشعال النار بالعود والحجر إلى عصر المفاعلات النوويّة، ومن النظر إلى القمر إلى الوصول إليه.
اضافة اعلانلم يتحقق ذلك للبشرية دون وجود خيال جامح وغريزة الاستكشاف، ذلك الخيال الذي يتفلت من قيود الزمان والمكان متجاوزا حدود ما أبعد من الكون، فالخيال معجزة المعجزات ومستودع الأسرار وهو هبة للإنسان دون غيره من الكائنات.
الخيال حيلة دفاعية تعمل على إعادة التوازن للنفس البشرية وتشعرها بمتعة مؤقتة من خلال تحقيق رغبات شخصيّة داخلية مكبوتة (خيال غير مجدي).
الخيال يد تطرق باب الشهرة لظهور روائع خالدة تتغنى بها البشرية على مرّ العصور (خيال فعّال)" الخيال أهم من المعرفة؛ لأنّ المعرفة محدودة بما نعرفه ونفهمه اليوم، بينما الخيال يمتد إلى كل ما يمكن أن نكتشفه ونبدعه في المستقبل" (أينشتاين) (خيال علمي) كل عبارة مما سبق تشير إلى شكل من أشكال الخيال، تلك الميّزة الإنسانية الباهرة التي تحرّر العقل من قيوده وتترك العنان لجموحه متجاوزًا كلّ ما هو مادي ومألوف.
فالخيال غير المجدي ينطلق بنا في أحلام اليقظة محققًا للنفس كلّ أمنياتها بجولة قد لا تتعدى دقائق معدودة، محلّقا في فضاءات شاسعة ليس لها حدود، دون أن يبرح الفرد مكانه أو يحرك ساكنا، وما يلبث أن يستفيق الفرد من هذه الرحلة عائدا بخفي حنين، والغاية منه هي المتعة المؤقتة التي تعيد إلى النفس توازنها، فالحاجات النفسية تجعل العينين ترى الأشياء كما تشتهي الأنفس، فمن بلغ به العطش في الصحراء القاحلة يرى السراب ماءً.
مطابقا للمثل العامّي" حلم الجوعان عيش"وينقلنا الخيال الفعّال إلى ما أنجزه الموهوبون من روائع خالدة كانت مجرّد ومضات تمرّ في خيالاتهم على شكل قطع فسيفساء عملوا على جمعها حتى نضجت على شكل صورة متكاملة بلوحة فنيّة تأسر الأبصار، أو سمفونية موسيقية، أو قصيدة شعرية، أو رواية عالمية، أو هدف في لعبة رياضية صفق له الجمهور تأكيدا لروعته.
وفرضت نفسها (الفانتازيا) كنوع أدبي وفنيّ يعتمد بشكل أساسي على الخيال الجامح حيث تتصور عوالم خيالية غير واقعية لا تتقيد بقوانين الفيزياء أو المنطق، وتهدف إلى الهروب من الواقع، وتعدّ من أكثر الأنواع الشعبيّة في الأدب والأفلام، والألعاب.
يعدّ الخيال خاصية لبني البشر بشكل عام ويعدّ الخيال العلمي خاصية أساسية للمتفوقين عقليًا ذوي التفكير الإبداعي، ويستوقفنا الخيال العلمي (Science Fiction) طويلًا فهو حجر الزاوية والمحرك الرئيس للاختراعات (الإبداع) بصفته الخيال الأهم من بين الخيالات؛ لأنّه موقد شعلة الإبداع الذي حمل راية تطوّر البشرية.
تمّ ربط الخيال العلمي اعتباطَا في ذاكرة البشرية بأدب الفانتازيا كالملاحم والخرافات، الذي يصول ويجول صاحبة في الخزعبلات والأساطير والخروج عن المألوف كما يشاء دون قاعدة تقيّده متناسيًا صفة العلم، بينما حقيقة الخيال العلمي بعيدة كل البعد عن الخرافات، حيث يستند إلى العلوم الصحيحة كالفيزياء والكيمياء والرياضيات كعلوم تطبيقية، فظهرت الأفلام السينمائية وعملت على تصحيح ذلك الاعتقاد واختزلت تعريف الخيال العلمي بالاختراعات وغزو الفضاء والصحون الطائرة والفضائيين.
فمنذ وجود البشر على سطح هذه الأرض والخيال العلمي ملازمًا لتفكيرهم، فكلّ إبداع (اختراع) كبر أم صغر كانت شرارته الأولى هي التفكير العلمي الذي يبحث عن رفاهية البشرية وتيسير حياة الأفراد والجماعات، فمنذ اختراع الآلات البسيطة كالمطرقة والإبرة، والبكرة، والعجلة، والمنشار، والقفل.
ومن ثمّ المروحة والغسالة والثلاجة والتلفاز.
مرورا بالثورات الصناعية الأولى والثانية والثالثة والرابعة التي نتفيأ ظلالها، تطوّرت الأدوات التكنولوجية حتى وصلنا إلى عصر الذكاء الاصطناعي، وأنترنت الأشياء.
فحلم الإنسان في الطيران تحقق، والوصول إلى القمر كذلك، واكتشاف المجرّات، والكثير الكثير، وما يزال هناك متسع من الوقت لتخيّل أبعد من ذلك وتحقيقه مستقبلا، ولا توجد قوّة على سطح الأرض يمكنها تقييد خيال الأفراد مهما بلغت من الجبروت والتسلط.
إنّ معرفة الإنسان لا تقل أهمية عن خياله فلولا المعرفة لما كان الخيال، فعليها تبنى النظريات وتتجدد بواقع آخر من خلال الخيال، وتصبح حقيقة واقعة بعد أن كانت حبرا على ورق، ومن خلال تهيئة البيئات للطلبة داخل مدارسهم لتحريك خيالهم الغض بعيدا عن الخرافات والشعوذة، وتطبيق أساليب وطرق تنمية التفكير كأسلوب العصف الذهني وغيره ضمن بيئة آمنة محفّزة، واستعراض قصص المبدعين(المخترعين) وعرض نماذج من الأعمال الروائية والموسيقية والشعرية واللوحات الفنية، واللعب الحر والحوار من خلال الأسئلة المفتوحة، وتخيّل مهنة المستقبل بما لها من إيجابيات وسلبيات، والاستماع للأطفال باهتمام، ونسج القصص بعيدا عن الكذب والتلفيق، كلّ ذلك يجعل الطالب سعيدًا معبرًا عن رغباته متجاوزا لإحباطاته التي تواجهه بعفوية وصدق وشفافية.
من منا لا يذكر رواية (أليس في بلاد العجائب)؟تعدّ هذه الرواية من أبرز الأمثلة على الخيال اللامعقول أدب الخيال الحديث، فقد ألهمت عددا كبيرا من الكتاب بأن يحذو حذو مؤلفها (تشارلز لوتويدج، 1865) والذي قام بالتلاعب المستمر بالمنطق وتحويل المفاهيم المألوفة رأسا على عقب، وتمت ترجمتها إلى (174) لغة، واكتسبت شعبية عارمة بين أطفال العالم، حيث تدور أحداث القصة حول فتاة صغيرة تدعى(أليس) تسقط في جحر أرنب وإذا به بوابة إلى عالم خيالي سحري تسكنه مخلوقات غريبة تخضع لمنطق خارج القوانين الطبيعية.
وكذلك قصة الخيال العلمي والتي صورت لنا تجربة (عباس بن فرناس) وكان اهتمامه بالهندسة والاختراعات منذ طفولته وتميّز بالفضول وتفكيك الآلات وإعادة تركيبها وكان يراوده حلم الطيران والتحليق بالفضاء، وعلى إثر تجربته اخترع الإنسان الطائرة.
وقصة الشاب الصغير (جيمس واط) عندما رأى البخار يحرك غطاء القدر فاخترع الآلة البخارية التي غيّرت وجه البشرية، وأطلق عليه العلماء (أبو الثورة الصناعية الأولى، 1819) ولعلنا قريبا نحقق أحلام (اينشتاين) بالسير بسرعة الضوء وهو تساؤل يفتح المجال لأسئلة عصية على الفهم، حيث كان حلمه عبارة عن أداة ذهنية لفهم أن سرعة الضوء هي الحد الأقصى والنهائي في الكون، وأنّ الزمن والمسافة ليسا مطلقين بل نسبيين.
وفي ظل الذكاء الاصطناعي وخياراته المتعدّدة لم يعد الخيال مجّرد اغماض العينين والسياحة الفكرية المجرّدة، فقد أصبح محاكيًا للواقع من خلال استغلال التطبيقات المتاحة بين أيدي أطفالنا بقليل من التوجيه والإرشاد، بل أصبح حري بعلماء النفس إعادة تعريف الخيال وربطه بالذكاء الاصطناعي الذي اختصر العالم بهاتف عمل على تجسيد الخيال وأصبح ذلك الهاتف يتسع لما هو أبعد من الخيال.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك