في زمنٍ يعلو فيه ضجيج الدعوى ويخفُت فيه صوت المعنى، لا يعود السؤال عن صحة الشعارات بقدر ما يعود عن صلاح القلوب التي تحملها، إذ ليس كل ما انتظم في خطابٍ استقام في ميزان الحقيقة، ولا كلّ من رفع راية بلغ مقام الأدب.
ومن هنا تتقدّم الصوفية لا لتنافس في ساحة السلطة، بل لتذكّر بأن أصل الخلل ليس دائمًا في التصوّر، بل في الإنسان الذي يتلبّسه دون تزكية، فتتحوّل الفكرة من نورٍ يهدي إلى أداة تخاصم.
فالسلوك عند أهلها مُسيرٌ إلى الله قبل أن يكون حركةً في العالم، والتزكيةُ شرط سابق على كل دعوى إصلاح، والمجاهدة ليست صراعًا مع الخارج بقدر ما هي محاسبةٌ للنفس التي تميل إلى الغلبة قبل الحق، لهذا كان الإخلاص عندهم ميزانًا، والصدقُ أساسًا، والمراقبة حارسًا، فلا يُقبل من العمل إلا ما سَلِمَ من شوائب الدعوى، ولا يُعتدّ من القول إلا ما وافق حالًا متحققًا في الباطن.
وفي الجهة الأخرى، نشأ الإسلام السياسي من سؤال التدبير لا من سؤال السلوك، فكان همه أن ينقل القيم إلى واقعٍ مضطرب، وأن يصوغ من الدين نظامًا يشتبك مع التاريخ لا يعتزلُه، لكنه، وهو يفعل ذلك، دخل عالمًا لا يُدار بمنطق الصفاء، بل بمنطق القوة، ولا تُحسم فيه الأمور بالنيات، بل بميزان المصالح والتوازنات الجيوسياسية التي تفرض إيقاعها على الجميع، فلا تنتظر اكتمال التزكية، ولا تراعي بُطء التهذيب.
ومن هنا تحوّل الخطاب، تحت ضغط الضرورة، من المحاسبة إلى المرافعة، ومن الأدبِ إلى الحشد، ومن إصلاح النفس إلى إدارة الصراع.
حتى صار التدين في كثيرٍ من صوره أقرب إلى مشروع تعبئةٍ منه إلى مسار تهذيب، وغلبت وظيفة التنظيم على حقيقة السلوك.
وهنا لا يكون الإشكال في وجود المسارين، بل في الخلط بينهما، إذ يُظن أن ما بُني على التخلّي يمكن أن يُعاد تشكيله ليُجيد التملّك، وأن ما تأسّس على فناء الحظوظ يصلح أن يكون أداة غلبةٍ دون أن يتغيّر جوهره.
فالصوفية بطبعها تُبطئ لأنها تعرفُ أن الاستعجال آفة، وتخشى من تديين الصراع لأن القلب إذا تلوّث بالخصومة عَسُر عليه شهود الحق، وتميل إلى التخفف من السلطة لأنها تُدركُ أن التعلّق بها من أدق أبواب الفتنة، بينما يفرض الواقع السياسي إيقاعًا لا يحتمل هذا التدرّج، ويطلب حسمًا، ويقوم على إدارة القوة لا على مجاهدة النفس، ومن هنا كان السؤال عن إمكان تحويل الصوفية إلى بديل سياسي مباشر سؤالا غير منضبط بأدوات البحث والتحليل، لأنه يغفل اختلاف طبيعة المنشأ ومرجعية الأهداف قبل اختلاف الوسائل المحققة للمسارات.
وبمشرط التحليل لا بلغة التهوين، فإن الصوفية، بصيغتها التاريخية الخالصة، تعجز - ليس من ضعف - عن ملء فراغ الإسلام السياسي على مستوى الدولة، لأنها لم تُبنَ أصلاً لإدارة السلطة بل لتزكية الفرد، ومعجمها، على غناه في الإخلاص والصدق والرضا والمراقبة، لا يقدّم أدوات تفصيلية لتدبير الدول ولا للتعامل مع التعقيدات الدولية، وأية محاولة لتحويلها إلى مشروع سياسي مباشر إما أن يُفشلها لعجزها الوظيفي، أو ينجحها باستلابها من منشأ روحها، فتتحول إلى خطاب أخلاقي يزيّن الممارسة دون أن يغيّر جوهرها، فيفقد السلوك معناه ويصير الأدب لفظًا بلا احتوال.
كما أن بطء أثرها، وهو سر قوتها في بناء الإنسان، سيتحول في ميدان السياسة إلى عجز أمام تسارع الوقائع وضغط القرارات، فيختل التوازن بين المثال والواقع.
ومع ذلك، فإن استبعاد الصوفية من المعادلة خطأ استراتيجي حاسم لا يقل عن تحميلها ما لا تحتمل، لأنها لا تُقدّم نفسها بديلاً عن الدولة، بل شرطًا خفيًّا لسلامتها واستمرار ميزانها الروحي، فهي تعيد الاعتبار للأدب حين يشتد الاختلاف، وتغرسُ المحاسبة حين يكثر الاتهام، وتخفف من حدّة الأدلجة التي تحوّل الدين إلى ساحة صراع، وتنتج إنسانًا أقل قابليةً للتطرفِ وأكثر قابليةً للرحمة، وهذا أثرٌ لا يُقاس بسرعة نتائجه، بل بعمق امتداده.
المشكلة القابعة في نفوس الضمائر ليست في أن الصوفية لا تُقيم دولة، بل في أن الدول تُقام أحيانًا على نفوسٍ لم تُهذب، فتفقد قيمها وهي تظنُ أنها تحميها.
الميزان لا يستقيم بأن تتحول الروحانية إلى أداةٍ سياسية، ولا بأن تُقصى من المجال العام، بل بأن يُفهم حدّها وحدّ غيرها، وأن يُعاد الربط بين الداخل والخارج، بين السلوك والتدبير، حتى لا يتحول الدين إلى وسيلةٍ صراع، ولا تتحول السياسة إلى غاية في ذاتها.
وهنا ينبغي أن أقول إن الصوفية ليست مشروع حكم، ولا انحلال شهوة بل مشروع تنشئة إنسانٍ وتنقيته من الشوائب وروث النفايات البشرية، والإسلام السياسي محاولة لإدارة واقعٍ معقّد، لكن حين يغيب الأول يفسدُ الثاني، وحين يُحمَّل الأول ما ليس له يضيع كلاهما، وبين المثال الروحي وتعقيدات الواقع، لا تكون النجاة في إلغاء أحدهما، بل في أن يبقى القلب حاضرًا وهو يشتبك مع العالم، حتى لا يُنتج التدين قسوة، ولا تُنتج السياسة فراغًا، ويبقى للإنسانِ نصيب من السكينة في زمنٍ يكادُ يضيع فيه المعنى بين ضجيج الصوت.
هنا سنسمع صوت القلب وهو يترنم في “موليات الزمان” وقواعد العشق والأمان بحثاً عن التجرد والسمو بروح الخلق وتبيان الأفكار.
إن هذا المقال لهو من أشد وأصعب ما خطت يداي لعلي خرجت منه إيجابًا وليس سلبًا، ولعلي أنال منكم دعوةً تصلح أمري وتعيد لي ما فقدته حينما تكالبت عليّ الحياة.
باحث في شؤون الإعلام والوعي الاستراتيجي وعلم النفس السياسي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك