من مايا الجبيلي وإميلي ماضيبيروت 22 أبريل نيسان (رويترز) – غزو إسرائيلي لجنوب لبنان وقصف في بيروت ونزوح جماعي وتصاعد التوترات الطائفية في 2026، لكن بالنسبة لمن عاصروا الحرب الأهلية اللبنانية قبل خمسة عقود، يبدو الأمر وكأنه سبعينيات القرن الماضي من جديد.
قال لبنانيون قاتلوا في الحرب الأهلية التي دارت رحاها بين 1975 و1990 أو وثقوها كصحفيين لرويترز إنهم يشعرون بأصداء التوتر والعنف الطائفي الذي شهدوه آنذاك، ويرون خطر تجدد القتال بين اللبنانيين.
وأدت الحرب الأخيرة التي اندلعت في الثاني من مارس آذار بين إسرائيل وجماعة حزب الله اللبنانية إلى تعميق العداء بين الجماعة المدعومة من إيران ومعارضيها المحليين، مما دفع الدولة والمجتمع اللبناني الهش إلى حافة الانهيار.
ويهدف وقف إطلاق النار المؤقت إلى إتاحة المجال لمفاوضات السلام بين لبنان وإسرائيل، حيث تستضيف الولايات المتحدة جولة ثانية من المحادثات غدا الخميس.
إلا أن هذا الأمر يعمق أيضا الخلاف بين الحكومة وجماعة حزب الله، التي تعارض بشدة هذه المفاوضات.
* مقاتل سابق: “ما تكرروا تجربتنا”.
اندلعت الحرب الأهلية في لبنان في أبريل نيسان 1975 عندما تصاعدت التوترات الطائفية والاقتصادية إلى اشتباكات بين مسلحين مسيحيين ومقاتلين فلسطينيين، ثم امتدت لتشمل مناطق ودول أخرى.
وفي ذلك الوقت، نزح نحو مليون شخص من ديارهم، وهو رقم تجاوزه الصراع الأخير الذي بلغ عدد النازحين فيه 1.
2 مليون شخص.
وأصبحت بيروت ساحة معركة وغزت إسرائيل لبنان عام 1978، واحتلت شريطا من جنوب لبنان مشابها للأراضي التي أعادت احتلالها في الآونة الأخيرة.
وفي الفترة من 1976 إلى 2005، نشرت سوريا قوات في لبنان، وهي فكرة طرحت على دمشق العام الماضي.
بشيء من المشقة لضعف النظر، قرأ زياد صعب البالغ من العمر 68 عاما رسالة مكتوبة بخط اليد تلقاها عام 1981 من صديق له على خط المواجهة تسرد تفاصيل القصف الإسرائيلي على بعض القرى الجنوبية نفسها التي ضربتها إسرائيل في الآونة الأخيرة.
وقال صعب إن هذه الرسالة يمكن أن تكتب اليوم.
قاتل صعب إلى جانب الحزب الشيوعي اللبناني في وقت الحرب الأهلية، ويرأس الآن منظمة “محاربون من أجل السلام” التي أسسها مقاتلون سابقون.
وقال صعب إن الانقسامات الداخلية التي كانت أساس الحرب الأهلية في لبنان لم تبلغ أبدا مرحلة المصالحة، وحذر اللبنانيين من الانقلاب ضد بعضهم بعضا.
وأضاف “هيدي الحرب ما انتقلت إلى محل آخر، ما انتقلت رغم الاتفاقات إللي حصلت من ضمنهم اتفاق الطائف.
بس الحقيقة إنو ما انتقلت الحرب، بعدها الشعور إنو ما زالت قائمة.
هيدا شعور موجود، سببو لأنو ما صار في حل حقيقي، ما صار في مصالحة حقيقية”.
وقال صعب لرويترز في منزله في بيروت “عملنا نداء جديد اللي نقول فيه كمان للسلطات السياسية المختلفة، وللشباب اللي كنا بعمرهن، نحنا وقت اللي حملنا السلاح أول مرة إنه ما تكرروا تجربتنا، لأنه رح تتفاجئوا لوين رح تاخذكن، الحرب رح تاخذكن، بعكس تمام ما بتعتقدوا إنه أنتم رايحين إلها.
يعني إذا كنتم معتقدين إنه هيدي رح يصير بلد أحسن، نحنا طحبشناه للبلد، نحنا خزقناه للبلد، كل واحد شد لحاف إلى ميلته، خزقنا لحاف وراح الغطا”.
وبالنسبة لصعب، فإن قصف الثامن من أبريل نيسان، عندما أسفرت ضربات إسرائيلية خاطفة في جميع أنحاء لبنان عن مقتل أكثر من 300 شخص، “تقريبا استعاد كل مشهد الحرب الأهلية بثوان”.
* الصراعات الحديثة تدفع الانقسامات إلى السطحتأسست جماعة حزب الله عام 1982 في ذروة الحرب الأهلية، وكانت الجماعة الوحيدة التي احتفظت بالسلاح بعد انتهاء الحرب.
وبعد انسحاب إسرائيل عام 2000، وسعت الجماعة ترسانتها وعززت نفوذها في الحكومة اللبنانية.
واندلعت اشتباكات داخلية عامي 2008 و2021.
لكن بعد حرب 2024 مع إسرائيل التي أضعفت حزب الله بشدة، تعهدت حكومة لبنانية جديدة مدعومة من الولايات المتحدة بنزع سلاح الجماعة.
وبدأت القوات اللبنانية بمصادرة أسلحة حزب الله تدريجيا، خشية حدوث مواجهة إذا استولت على ترسانة الحزب بالقوة.
وعندما أطلقت حزب الله النار على إسرائيل في الثاني من مارس آذار دعما لإيران، حمله بعض اللبنانيين مسؤولية جر البلاد إلى صراع جديد.
كما حمل البعض الآخر الشيعة على نطاق أوسع، الذين تستمد منهم حزب الله دعمها الشعبي، المسؤولية أيضا.
في غضون ذلك، انتقد المسلمون الشيعة، الذين تحملوا وطأة الحروب مع إسرائيل ويرون في حزب الله ملاذهم الوحيد، الدولة لتقصيرها في حمايتهم.
وقال العديد من الشيعة الذين نزحوا جراء الغارات الإسرائيلية لرويترز إنهم يعتبرون كبار المسؤولين اللبنانيين “خونة”.
وقال المصور اللبناني باتريك باز إن الانقسامات بين الشباب اللبناني جعلت من الممكن نشوب صراع داخلي جديد، مستشهدا بمشاهد لرجال مسيحيين مسلحين، غاضبين من حزب الله بسبب الحرب، يطلقون النار في الهواء خلال جنازة سياسي مسيحي قتل في غارة إسرائيلية هذا الشهر.
لجأ باز، الذي صقل مهاراته في التصوير مع اندلاع الحرب الأهلية وقضى سنوات في توثيق ويلاتها، إلى الاستدلال بالجامعات؛ معتبرا إياها نموذجا مصغرا يعكس التوترات السياسية الكبرى، حيث تتحول المشاحنات الطلابية بداخلها إلى مرآة صادقة للانقسامات التي يعيشها المجتمع.
وقال “أنا متأكد من أنك إذا ذهبت إلى الجامعات اليوم وطلبت منهم حمل الأسلحة وإطلاق النار على خصومهم السياسيين أو أي شخص لا يعجبهم، فسوف يفعلون ذلك”.
* اتفاق وقف إطلاق النار “وصفة للمواجهة”جاء الإعلان عن وقف مؤقت لإطلاق النار الأسبوع الماضي ليمنح ارتياحا منتظرا بعد أكثر من خمسة أسابيع من الغارات الإسرائيلية التي أودت بحياة ما يقرب من 2300 شخص.
لكن الاتفاق يترك قضايا جوهرية دون حل.
فهو لا يلزم القوات الإسرائيلية بالانسحاب من لبنان، ولا يطالب صراحة بنزع سلاح حزب الله.
كما أنه يمهد الطريق أمام بيروت لإجراء محادثات سلام مع إسرائيل، وهو ما يلقى معارضة شديدة من بعض اللبنانيين من مختلف الطوائف.
ووصف دبلوماسي يعمل في لبنان نص الاتفاق بأنه “وصفة مفصلة للمواجهة الداخلية”.
قال رفيق بازرجي، وهو شخصية بارزة في جماعة مسيحية لبنانية مسلحة خلال الحرب الأهلية، إن الاتفاقات التي لا تستند إلى “أساس جيد” محكوم عليها بإعادة إشعال التوترات، مستشهدا باتفاق الطائف الذي أنهى الحرب الأهلية ولكنه لم ينفذ بالكامل، وخطة الحكومة غير المكتملة لنزع سلاح حزب الله.
يمتلك بازرجي الآن دار ضيافة في الجبال جنوب شرق بيروت ويرأس رابطة اللاتين في لبنان، التي تمثل المسيحيين اللاتين، وهي إحدى الطوائف الدينية العديدة في البلاد.
وقام بتعليم ابنيه البالغين الرماية، ويرى جيلا شابا قادرا على حمل السلاح.
وقال لرويترز “نحنا كنا بأيامنا متعصبين وكنا متحمسين تنحارب، عم شوف اليوم جيل جديد بيخوف، يعني نحنا ولاد بالنسبة إلن بتطلع فيهن، بلكي أطول منا وأعرض منا وأقوى منا، وفهمانين أكتر منا، ويفهموا المعلوماتية أكتر منا.
ومستعدين هني كمان ما يتنازلوا عن هالبلد”.
وأضاف أن اللبنانيين قلقين من إعادة إحياء حرب 1975-1990، التي قتل فيها حوالي 150 ألف شخص، لكن الانقسامات بشأن حزب الله وإسرائيل وقضايا رئيسية أخرى قد تتحول إلى عنف.
وقال “بكل شغلة بالحياة في إلها مطرح… يعني بتوصل لمطرح بالآخر.
بس إذا بدها توصل الموس لدقنا، كمان منا نحنا مكسر عصا (لن نستسلم للأمر الواقع)”.
(إعداد مروة سلام للنشرة العربية – تحرير حسن عمار).

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك