تتسارع وتيرة التحول الجذري في سياسات إدارة الأزمات التعليمية بالمنطقة العربية، حيث يعرف موسم الامتحانات العامة لعام 2026 مشهداً مختلفاً تماماً عن العقد الماضي.
فبعد سنوات من الاعتماد على" زرّ الطوارئ" بقطع مؤقت لشبكة الإنترنت، أعلنت دول عربية كبرى مثل سوريا والجزائر رسمياً عن طي صفحة هذا الإجراء، في خطوة لا تقتصر تداعياتها على ضمان نزاهة الامتحانات فحسب، بل تمتد لإنقاذ شرايين الاقتصاد الرقمي الباحث عن بيئة مستقرة.
لأول مرة منذ 10 سنوات.
سوريا تتخلى عن حجب الإنترنت في موسم الامتحاناتفي دمشق، ومع انطلاق ماراثون الامتحانات الرسمية لشهر يونيو 2026، أعلنت وزارة الاتصالات السورية وللمرة الأولى منذ أكثر من عقد، عن استمرار خدمات الاتصالات والإنترنت دون انقطاع.
وقد جاء هذا القرار اللافت بعد أن نجحت وزارة التربية في دمج" حلول بديلة ذكية" تعتمد على التقنيات الحديثة لمكافحة الغش في الامتحانات وتدقيق سلامة الأسئلة، ما ألغى الحاجة الماسة للقطع الشامل للخدمات الرقمية.
وفي منشور رسمي عبر صفحتها، أشادت وزارة الاتصالات بما وصفته التعاون المثمر مع وزارة التربية لتحقيق" نزاهة العملية الامتحانية"، مؤكدة أن استمرار الخدمة يهدف إلى تجنب" تعطيل الخدمات الحيوية وتأثيره السلبي المباشر على حياة المواطنين اليومية"، في ظاهرة سلبية أثرت كثيرا على السوريين خلال السنوات السابقة.
فواتير باهظة وخسائر بالمليارات.
لماذا اضطرت دمشق لتغيير موقفها؟يكتسي قرار دمشق أهمية استثنائية نظرا للكلفة الفادحة التي كان يدفعها الاقتصاد السوري سنوياً جرّاء انقطاع الإنترنت ساعات طويلة.
فبحسب تحليلات الخبير الاقتصادي عابد فضيلة في عام (2024)، كانت الخسائر الناجمة عن انقطاع هذه الخدمة الحيوية تتجاوز 80 مليار ليرة سورية سنوياً (أي ما يعادل أكثر من 6 ملايين دولار)، وهو مبلغ ضخم يستنزف اقتصاداً يعاني أصلاً من تحديات جسيمة فرضتها حرب أهلية دامت أكثر من 14 عاما.
كانت السلطات تتحجج بأن هناك شبكات داخلية للدولة تسدّ النقص وتحدّ من وطأة تداعيات حجب الإنترنت، لكن المحللين كانوا يحذرون من أن هذا الإجراء يخفي كارثة اقتصادية حقيقية، خاصة مع اعتماد القطاع الخاص والشركات الناشئة بشكل كلي على الخدمة الرقمية وضرورة استمرار تدفقها.
لكن اليوم، يبدو أن المعادلة قد تغيرت لصالح اعتبارات اقتصادية حيوية.
الجزائر تطوي صفحة سنوات من الحجبعلى الطرف الآخر من المنطقة العربية، تحاول الجزائر ترسيخ نهجها الجديد بإنهاء سياسة" القطع الجزئي" التي لازمتها منذ فضيحة تسريب أسئلة امتحانات عام 2015.
فبعد تجربة ناجحة في صيف 2025 عرف الجزائريون هذا العام ولأول مرة منذ تسع سنوات استمرار تدفق خدمة الإنترنت بعد تخلي الدولة عن إجراءات الحجب الجزئي، حيث أكدت السلطات مجددا تمسّكها بالقرار.
طوال السنوات الماضية، أثارت هذه السياسة غضباً في أوساط العامة ورجال الأعمال، الذين اعتبروا أن تعطيل الخدمات الإلكترونية والتعليم عن بُعد والأنشطة التجارية الرقمية يكبّد القطاع الاقتصادي خسائر جسيمة ومتكرّرة.
لذلك، فإن العودة إلى الاستقرار في 2026 تعيد الثقة لمنصات الدفع الإلكتروني وخدمات النقل الذكي التي عانت طويلاً من عدم الانتظام.
العراق: 90 دقيقة تكلف عشرات الملايين من الدولاراتفي المقابل، لا يزال العراق يتمسّك بسياسة" الحجب المؤقت" للإنترنت خلال موسم امتحانات 2026، حيث يتم عزل البلاد عن العالم لمدة 90 دقيقة كل يوم (من 6: 00 حتى 7: 30 صباحاً).
ورغم قصر المدة، فإن البيانات الاقتصادية تكشف عن فاتورة باهظة، فوفقاً لحاسبة" Pulse NetLoss" التابعة لجمعية الإنترنت، فإن كل 90 دقيقة قطع تكلف الاقتصاد العراقي نحو 87.
5 ألف دولار من الناتج المحلي، بالإضافة إلى خسارة الاستثمارات الأجنبية المباشر بقيمة سبعة آلاف دولار يومياً.
الأخطر من الخسارة المباشرة، كما تحذر التقارير، هو تآكل ثقة الشركات الدولية في جودة ونجاعة البنية التحتية للاتصالات العراقية، مما يضرب سمعة بغداد كوجهة رقمية موثوقة على المدى الطويل.
السودان.
كيف تحول" توقيت" حجب الإنترنت إلى ضربة مزدوجة للاقتصاد؟في تناقض صارخ مع هذا الاتجاه الإقليمي نحو استمرار تدفق الخدمة الرقمية، يواصل السودان تطبيق سياسة قطع الإنترنت المتكررة تزامناً مع امتحانات الشهادة الثانوية لعام 2026، وهي سياسة بدأت منذ دورة 2020.
إلا أن ما يميز التجربة السودانية – ويجعل أثرها الاقتصادي أكثر فتكاً من غيرها – هو توقيت التنفيذ.
فبينما تلجأ معظم الدول التي كانت تطبّق إجراءات الحجب إلى تنفيذه في ساعات الصباح الأولى، يختار السودان القطع الشامل للخدمة في ذروة ساعات النشاط الاقتصادي والعمل اليومي، تحديداً من الواحدة ظهراً وحتى الخامسة مساءً.
هذا التوقيت يحوّل الإجراء من مجرد تعطيل مؤقت للدراسة إلى شلل كامل للقطاع المصرفي، والأسواق المالية، وشركات القطاع الخاص، ومنصات العمل الحرّ التي تكون في أوج نشاطها خلال هذه الساعات الأربع الحاسمة.
يرى محللون أن هذا التوقيت يضاعف الخسائر الاقتصادية مقارنة بالدول الأخرى، حيث يضرب قلب الحركة التجارية بدلاً من أطرافها، مما يجعل ثمن" نزاهة الامتحان" في السودان أغلى ثمناً بكثير على مستوى الناتج المحلي اليومي.
الأردن ونموذج الحجب الذكيفي سياق البحث عن حلول وسط توازن بين منع الغش في الامتحانات والحفاظ على استقرار الشبكة، تبرز التجربة الأردنية كنموذج فريد يعتمد" الجراحة الدقيقة" بدلاً من" البتر الكامل".
فمنذ عام 2021، تخلت الحكومة الأردنية عن فكرة قطع الإنترنت كلياً خلال امتحانات الثانوية العامة (" التوجيهي" )، لتتبنى استراتيجية أكثر ذكاءً يتم بموجبها عحجب تطبيقات التواصل الاجتماعي مؤقتاً وفي نطاق جغرافي محدود جداً يقتصر على مناطق انعقاد لجان الامتحانات فقط.
مصر تختار" الدرع التقني" بدل الحجب الكاملأما مصر، فتواصل مصر ترسيخ نموذجها الرافض للقطع.
ففي جلسات مجلس النواب خلال ربيع 2026، أكد المهندس محمد شمروخ، رئيس الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات، بشكل قاطع عدم وجود أي نية لقطع الإنترنت خلال امتحانات الثانوية العامة.
وشدد على أن الدولة تعتمد على" درع تقني" يشمل تشديد الرقابة البشرية واستخدام أجهزة كشف متطورة، التزاماً بالمواثيق الدولية وضماناً لاستقرار الخدمات الحيوية.
هذا النهج نفسه هو الذي تتبعه أصلاً وبشكل طبيعي دول مثل تونس والمغرب ولبنان ودول مجلس التعاون الخليجي، حيث لم تكن فكرة قطع الإنترنت مطروحة يوماً كأداة لضمان نزاهة إدارة الامتحانات، مما منح هذه الدول بيئة رقمية مستقرة جذبت الاستثمارات الأجنبية وحافظت على استمرارية الأعمال.
أبعد من أرقام الاقتصاد.
كيف يؤثر حجب الإنترنت على الفئات الأكثر هشاشة؟إن تأثير تراجع سياسة حجب الإنترنت يتجاوز مؤشرات الاقتصاد؛ فهو يمثل شريان حياة للفئات الأكثر هشاشة.
إذ أن العاملين عن بُعد، ومنصات التعليم الإلكتروني، وشركات التوصيل اللوجستي، كانوا الأكثر تضرراً من سياسات العزل الرقمي في السنوات السابقة.
وعلى هذا الأساس، أطلقت مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان تحذيرا وُجه خصيصاً للسلطات السورية في يونيوز 2022 بشأن" الآثار المدمرة لإغلاق الإنترنت"، حيث أكدت المفوضية أن تبرير الانقطاع بحجة الحفاظ على السلم العام أو مكافحة المعلومات المضللة لا يعوّض الأضرار الجسيمة التي تلحق بالمواطنين وبحقهم في العمل والوصول إلى المعلومة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك